يزيد بن محمد الأزدي

108

تاريخ الموصل

في صحة نياتهم ؛ لما رأوا من حياطته خلف من أصيب في طاعته « 1 » . وفي هذه السنة أوقع أبو العباس أحمد بن الموفق - وهو المعتضد بالله - بقوم من الأعراب كانوا يحملون الميرة إلى عسكر الخبيث ، فقتل منهم جماعة وأسر الباقين ، وغنم ما كان معهم ، وأرسل إلى البصرة من أقام بها لأجل قطع الميرة ، وسير الموفق رشيقا مولى أبى العباس فأوقع بقوم من بنى تميم كانوا يجلبون الميرة إلى الخبيث ، فقتل أكثرهم وأسر جماعة منهم ، فحمل الأسرى والرؤوس إلى الموفقية ، فأمر بهم الموفق فوقفوا بإزاء عسكر الزنج ، وكان فيهم رجل يسفر بين صاحب الزنج والأعراب بجلب الميرة فقطعت يده ورجله ، وألقى في عسكر الخبيث وأمر بضرب أعناق الأسارى . وانقطعت الميرة بذلك عن الخبيث بالكلية ، فأضر بهم الحصار وأضعف أبدانهم ، فكان يسأل الأسير والمستأمن عن عهده بالخبز ، فيقول : عهدي به منذ زمان طويل ! فلما وصلوا إلى هذا الحال ؛ رأى الموفق أن يتابع عليهم الحرب ؛ ليزيدهم ضرا وجهدا ، فكثر المستأمنون في هذا الوقت ، وخرج كثير من أصحاب الخبيث فتفرقوا في القرى والأنهار البعيدة في طلب القوت ، فبلغ ذلك الموفق ؛ فأمر جماعة من قواد غلمانه السودان بقصد تلك المواضع ودعوة من بها إليه ، فمن أبى قتلوه . فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأتاه أكثر منهم . فلما كثر المستأمنون عند الموفق عرضهم ، فمن كان ذا قوة وجلد أحسن إليه وخلطه بغلمانه ، ومن كان منهم ضعيفا أو شيخا أو جريحا قد أزمنته الجراحة كساه وأعطاه الدراهم وأمر به أن يحمل إلى عسكر الخبيث فيلقى هناك ، ويأمره بذكر ما رأى من إحسان الموفق إلى من صار إليه وأن ذلك رأيه فيهم ؛ فتهيأ له بذلك ما أراد من استمالة أصحاب الخبيث . وجعل الموفق وابنه أبو العباس يلازمان قتال الخبيث : تارة هذا وتارة هذا ، وجرح أبو العباس ثم برئ . وكان من جملة من قتل من أعيان قواد الخبيث : بهبوذ بن عبد الوهاب ، وكان كثير الخروج في السميريات ، وكان ينصب عليها أعلاما تشبه أعلام الموفق ، فإذا رأى من يستضعفه أخذه وأخذ من ذلك ما لا جزيلا ، فواقعه في بعض خرجاته أبو العباس فأفلت بعد أن أشفى على الهلاك ، ثم إنه خرج مرة أخرى ، فرأى سميرية فيها بعض أصحاب أبي العباس فقصدها ؛ طامعا في أخذها ، فحاربه أهلها ، فطعنه غلام من غلمان أبى العباس في

--> ( 1 ) ينظر : الطبري ( 9 / 602 ، 603 ) .