يزيد بن محمد الأزدي
558
تاريخ الموصل
--> - إمرة الموسم ومواضع من مصر ، فأجاب إلى بيعة المأمون وسمى المأمون ذلك الوقت بالإمام ، فكان العباس يكتب إليهم بالأخبار من بغداد ويشير عليهم بالرأي ورجع الرسل إلى الأمين فأخبروه بامتناع المأمون ، وألح الفضل وعلي بن عيسى على الأمين في خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بن الأمين ، وكان الأمين قد كتب إلى المأمون يطلب منه أن ينزل عن بعض كور خراسان ، وأن يكون له عنده صاحب البريد يكاتبه بالأخبار ، فاستشار المأمون خواصه وقواده ، فأشاروا باحتمال هذا الشر والإجابة إليه ؛ خوفا من شر هو أعظم منه فقال لهم الحسن بن سهل : أتعلمون أن الأمين طلب ما ليس له ؟ قالوا : نعم ويحتمل ذلك لضرر منعه . قال : فهل تثقون بكفه بعد إجابته فلا يطلب غيرها ؟ قالوا : لا قال : فإن طلب غيرها فما ترون ؟ قالوا : نمنعه قال : فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء : « استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من مكروه في يومك ولا تلتمس هدنة يومك بأخطار أدخلتها على نفسك في غدك » . فقال المأمون لذي الرياستين : ما تقول أنت ؟ فقال : أسعدك الله ! هل تأمن أن يكون الأمين طالبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك ، بل إنما أشار الحكماء بحمل ثقل ترجون به صلاح العاقبة فقال المأمون : بإيثار دعة العاجل صار إلى فساد العاقبة في دنياه وآخرته فامتنع المأمون من إجابته إلى ما طلب . وأنفذ المأمون ثقته إلى الحد فلا يمكن أحدا من العبور إلى بلاده إلا مع ثقة من ناحيته ، فحظر أهل خراسان أن يستمالوا برغبة أو رهبة وضبط الطرق بثقات أصحابه فلم يمكنوا من دخول خراسان إلا من عرفوه وأتى بجواز ، أو كان تاجرا معروفا وفتشت الكتب . وقيل : لما أراد الأمين أن يكتب إلى المأمون يطلب بعض كور خراسان قال له إسماعيل بن صبيح : يا أمير المؤمنين ، إن هذا مما يقوى التهمة وينبه على الحذر ، ولكن اكتب إليه فأعلمه حاجتك وما تحب من قربه والاستعانة به على ما ولاك الله واسأله القدوم عليك لترجع إلى رأيه فيما تفعل فكتب إليه بذلك وسير الكتاب مع نفر وأمرهم أن يبلغوا الجهد في إحضاره ، وسير معهم الهدايا الكثيرة فلما حضر الرسل عنده وقرأ الكتاب أشاروا عليه بإجابة الأمين ، وأعلموه ما في إجابته من المصلحة العامة والخاصة ، فأحضر ذا الرياستين وأقرأه الكتاب واستشاره فأشار عليه بملازمة خراسان وخوفه من القرب من الأمين فقال : لا يمكنني مخالفته وأكثر القواد والأموال معه ، والناس مائلون إلى الدرهم والدينار لا يرغبون في حفظ عهد ولا أمانة ولست في قوة حتى أمتنع . وقد فارق جيغويه الطاعة ، والتوى خاقان ملك التبت وملك كابل قد استعد للغارة على ما يليه وملك أتراذبنده قد منع الضريبة ، ومالي بواحد من هذه الأمور بد وأنا أعلم أن محمدا لم يطلب قدومي إلا لشر يريده ، ولا أرى إلا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة به ؛ لعلى آمن على نفسي ، فقال ذو الرياستين : إن عاقبة الغدر شديدة وتبعة البغى غير مأمونة ، ورب مقهور قد عاد قاهرا وليس النصر بالكثرة والقلة والموت أيسر من الذل والضيم ، وما أرى أن تصير إلى أخيك متجردا من قوادك وجندك كالرأس الذي فارق بدنه ؛ فتكون عنده كبعض رعيته ؛ يجرى عليك حكمه من غير أن تبدى عذرا في قتال ، واكتب إلى جيغويه وخاقان فولهما بلادهما ، وابعث إلى ملك كابل بعض هدايا خراسان ووادعه واترك لملك اترادبنده ضريبته ، ثم اجمع إليك أطرافك وضم جندك واضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال ، فإن ظفرت وإلا لحقت بخاقان ، فعرف المأمون صدقه ففعل ما أشار به ، فرضى أولئك الملوك العصاة وضم جنده وجمعهم عنده وكتب إلى الأمين : أما بعد ، فقد وصل إلى كتاب أمير المؤمنين وإنما أنا -