يزيد بن محمد الأزدي
493
تاريخ الموصل
كل واحد منا خلعة مطيبة ، وأخذت العود وأخذ هو عودا آخر أغنيه ويغنيني مساعدة منه وتفضلا على ، فإنّا لكذلك إذ طلع عبد الملك بن صالح في سواده وطيلسانه وقلنسوته يتمشى نحو البيت الذي نحن فيه ، وقد غفل الحاجب فنادى له ، فنظر إلى الفضل بن يحيى وقال : « أتينا » ولم يكن للبيت الذي كنا فيه باب آخر نخرج منه ، وجعل عبد الملك يتمشى نحونا ، فلما بصر بنا سلم ، وقعد على باب البيت ، وقد داخل الفضل من الحياء ما لم يداخلنى ثم قال : يا غلام ، خذ خفى وثيابي ، ودعا بالطعام فأكل وغسل يده ، ثم دعا بخلعة مثل الخلعتين اللتين كانتا « 1 » علينا ، ودعا بعود آخر وأخذه ، ثم دخل البيت وسلم وقال : يا فتيان ، خذوا فيما كنتم فيه ، وحرك العود ثم قال : اسقونى ، فشرب الشيخ - والله - معنا ، وما له عهد بالشراب ولا بمثل ما فعله - مساعدة لنا وإشفاقا أن يكون قد أشرف على ما نسره منه ، فقام إليه الفضل بن يحيى فانكب عليه وقبّله ، ثم قعد بين يديه وقال : « قد علمت الذي حملك على هذه المساعدة ، فاسألني حوائجك ، فوالله لا تسألني ما يمكن إلا أتيته فقال : لتردّ عنّى جفاء أمير المؤمنين » فقال : « يكفى ذلك كله إن شاء الله وبه القوة » فلم يزل معنا فيما كنا فيه طول النهار وانصرف ، وانصرفت ، فلما كان من الغد بكرت أريد أمير المؤمنين فوجدت الفضل بن يحيى قد سبقني إليه ، ودخل ثم خرج الحاجب يسأل عن عبد الملك فأدخل ، ثم مكث غير بعيد وخرج وعليه الخلع وبين يديه جماعة من الفراشين على أكتافهم البدر « 2 » ، ثم خرج خلفه الفضل بن يحيى فسار وسرت معه ، قلت : ما الخبر ؟ فقال : حدثت أمير المؤمنين بقصتنا فقال لي : ويحك يا فضل ! شرب عبد الملك معكم وغنى ولبس المصبوغ ؟ قلت : « نعم - والله - يا أمير المؤمنين » فقال : « والله ما حمله على ذلك إلا المروءة والمساعدة ، وإنه لبعيد من ذلك ، ولعله ما شرب شرابا ولا غنى ولا لبس مثل الثياب التي لبس قط ، ولكن الشرف والأدب حملاه « 3 » على ذلك » قال : قلت : « يا أمير المؤمنين ، فكافئه عنّى » قال : « أفعل » فولاه الجزيرة ، وأمر له بما رأيت من المال وقضى حوائجه . والوالي على صلاة الموصل وأحداثها لهارون عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي .
--> ( 1 ) في المخطوطة : كانا . ( 2 ) البدرة : كيس فيه ألف أو عشرة آلاف . سميت ببدرة السخلة ، والجمع : البدور . ينظر : لسان العرب ( 4 / 49 ) . ( 3 ) في المخطوطة : حمله .