يزيد بن محمد الأزدي
442
تاريخ الموصل
--> - ذاك بديع السماء والأرض وال * مرسى الجبال المسخر الفلك فقال المنصور : هذا أوان أجلى . قال الطبري : وقد حكى عبد العزيز بن مسلم أنه قال : دخلت على المنصور يوما أسلم عليه ، فإذا هو باهت لا يحير جوابا ، فوثبت لما أرى منه ؛ لأنصرف ، فقال لي بعد ساعة : إني رأيت في المنام كأن رجلا ينشدنى هذه الأبيات : أخي خفضا من مناك * فكأن يومك قد أتاك ولقد أراك الدهر من * تصريفه ما قد أراك فإذا أردت الناقص العب * د الذليل فأنت ذاك ملكت ما ملكته * والأمر فيه إلى سواك هذه الذي ترى من قلقى وغمى ؛ لما سمعت ورأيت ، فقلت : خيرا رأيت يا أمير المؤمنين ، فلم يلبث أن خرج إلى مكة ، فلما سار من بغداد ليحج نزل قصر عبدويه ، فانقض في مقامه هنالك كوكب لثلاث بقين من شوال بعد إضاءة الفجر ، فبقى أثره بينا إلى طلوع الشمس ، فأحضر المهدى - وكان قد صحبه - ليودعه فوصاه بالمال والسلطان ، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بكرة وعشية ، فلما كان اليوم الذي ارتحل فيه قال له : إني لم أدع شيئا إلا وقد تقدمت إليك فيه ، وسأوصيك بخصال - والله - ما أظنك تفعل واحدة منها ، وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره ، فقال للمهدى : « انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به ؛ فإن فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير ، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا ففي الثاني والثالث حتى بلغ سبعة ، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة ، فإنك واجد فيها ما تريد وما أظنك تفعل ، وانظر هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها ، وقد جمعت لك فيها الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك أرزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البعوث ، فاحتفظ بها ، فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا وما أظنك تفعل ، وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم وتحسن إليهم وتقدمهم وتوطئ الناس أعقابهم وتوليهم المنابر ؛ فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل ، وانظر مواليك وأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم ؛ فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بهم وما أظنك تفعل ، وأوصيك بخراسان خيرا ؛ فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك ، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم ، وتخلف من مات منهم في أهله وولده وما أظنك تفعل ، وإياك أن تبنى مدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها وأظنك ستفعل ، وإياك أن تستعين برجل من بنى سليم وأظنك ستفعل ، وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل » . وقيل : قال له : « إني ولدت في ذي الحجة ، ووليت في ذي الحجة ، وقد هجس في نفسي أنى أموت في ذي الحجة من هذه السنة ، وإنما حدانى على الحج ذلك فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدى يجعل الله لك فيما كربك وحزنك فرجا ومخرجا ، ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب . يا بنى ، احفظ محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم في أمته يحفظلك الله ويحفظ عليك أمورك ، وإياك والدم الحرام ؛ فإنه حوب عند الله عظيم وعار في الدنيا لازم مقيم ، والزم الحدود ، فإن فيها خلاصك في الآجل وصلاحك في العاجل ، ولا تعتد فيها فتبور ؛ فإن الله - تعالى - لو علم شيئا أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه ، واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أنه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فسادا مع ما ذخر له من العذاب العظيم ،