يزيد بن محمد الأزدي
41
تاريخ الموصل
من هذا الطريق الشطر الأكبر من كتابه ، وسوف نشير إلى منهجه في سوق الرواية الشفهية عند حديثنا عن منهجه العام في كتابة التاريخ . معالم منهج أبي زكريا في كتابه ( تاريخ الموصل ) : ( 1 ) صنف أبو زكريا الأزدي كتابه ( تاريخ الموصل ) ورتبه على السنين ، وهي الطريقة الحولية المعروفة التي ألفها أكثر المؤرخين المسلمين ، ورتبوا تواريخهم على أساسها ؛ وفيها يسوق المؤرخ الحوادث التاريخية المختلفة مرتبة على السنين لا يؤلف بينها إلا عامل الزمن فحسب ، ولهذه الطريقة عيوبها التي أفاض في ذكرها الباحثون ، ومنها : قطع تسلسل الأحداث ، وفقدان التماسك الموضوعي بينها ؛ لأن المؤرخ يسوق حوادث كل سنة في إطارها الزمني ، فإذا لم تتم القصة التاريخية في هذه السنة ، قطعها وانتقل إلى ذكر الحوادث الأخرى للسنة التي هو بصدد الحديث عنها ، ولا يكمل رواية بقية أجزاء القصة التي شرع فيها إلا في موضعها من السنوات اللاحقة . وفي الحق أن أبا زكريا لم يبتدع هذه الطريقة ولا اخترعها اختراعا ، ولكنها كانت طريقة معروفة منذ نشأة التدوين التاريخي في الإسلام . ( 2 ) وضع أبو زكريا الأزدي في بعض الأحيان عناوين للأحداث التاريخية التي يتحدث عنها ، مثل : ( ومن خبر خالد القسري وتوليته العراق ) أو ( سبب ما طلب مروان الولاية ) . . . إلخ ، ونراه يدون بعض الأحداث التاريخية المتعلقة بهذا العنوان ، ثم يدعها فجأة ؛ للحديث عن مسائل أخرى لا صلة لها بهذا العنوان الذي وضعه في البداية . ( 3 ) سلك أبو زكريا في إيراد ( الرواية التاريخية الشفهية ) - وهي كما قلنا مورد مهم من موارده التاريخية - مسلك المحدثين ، ولا عجب فقد كان محدثا ؛ ولذا نراه حريصا كل الحرص على تصدير ( الرواية التاريخية ) بسلسلة إسنادها ، التي قد تطول ليصل عدد الرواة فيها إلى ستة رواة أو خمسة ، وقد يروي أبو زكريا الخبر مباشرة عن شيخه أو أحد تلاميذه . وقد يهمل ذكر اسم صاحب الرواية ؛ مكتفيا بأن يقول : أخبرني بعض المشايخ ، أو : قيل ، أو : بلغني ، أو : أخبرت ، أو : حدثت . . . إلخ . وقد توخى أبو زكريا أن تكون رواياته التاريخية معزوّة إلى رواتها ، ولا يخل بهذه القاعدة التي ألزم بها نفسه إلا في القليل النادر ، حين ينقل مادته من كتب غيره . ( 4 ) اكتفى أبو زكريا بإيراد رواياته التاريخية دون أن يتبع ذلك بنقدها وتمحيصها من جهة الإسناد أو من جهة المتن ، وحسبه من الخبر أن يكون رواية ثقة ، وهو في ذلك يقتفي أثر غيره