يزيد بن محمد الأزدي
270
تاريخ الموصل
وعبر إسحاق إليه فالتقوا بمزرعة « 1 » ، وكانت بينهم حرب شديدة ، فكانت على إسحاق بن إبراهيم ، وكان إسحاق من موالى حوران من آل أبي عمرة ، وكان قد تغلب على أقاليم كثيرة بالخيل وداسن ، وابتنى هناك قلاعا ، فغلب محمد على كثير مما كان في يديه ، وقتل مع عمه سليمان بن عمران سنة خمس وخمسين ومائة . وأخبرني العلاء بن أيوب أن رجلا يعرف بالدانقى تشكى وكيلا لسليمان بن عمران - وهو والى الحرب والخراج - فوقف على بابه فقال : « من يشترى أرضى الفلانية نصفها الحديث بدرهم ؟ وجارى سليمان » فبلغ ذلك سليمان فأدخله إليه فقال : ما حملك على ما فعلت » ؟ قال : « وكيلك سرق كدسا لي » ، قال : « فألا أعلمتنى » ؛ ( فتراضيا ) على أن يرده على كتفه ، وكتب سليمان إلى وكيله يحلف عليه إلا رددت الكدس على عنقك إلى بيدر « 2 » الدانقى . حدثني هارون ( بن الصقر ) بن نجدة العنزي قال : حدثني أبى قال « حضرت وليمة لمحمد بن عون الخولاني صاحب مادحيم « 3 » وكان قد دعا سليمان بن عمران ، وكان مخلد بن بكار الشاعر حاضرا فسألني مخلد أن أنشد سليمان بن عمران شعرا مدحه به - وكنت أحفظه - فأنشدته إياه : يموت الصفا وتحيا الضجور * ويبيد النقا وينمى الفجور ويهد البغض المدبران * يوما ويخرس الموفور ما انتجعنا أبا الفوارس إلا * أمطرتنا من راحتيه بدور
--> ( 1 ) كذا بالأصل ، ولعل الكلمة محرفة عن مزرفة ، بالفاء ، وهي قرية تقع قرب بغداد . انظر : معجم البلدان ( 5 / 142 ) . ( 2 ) البيدر : الموضع الذي يداس فيه الطعام ، انظر : لسان العرب ( 4 / 50 ) . ( 3 ) كذا بالأصل ، ولعلها محرفة عن ( ماردين ) ، وماردين : بكسر الراء والدال ، كأنه جمع مارد جمع تصحيح ، وأرى أنها إنما سميت بذلك ؛ لأن مستحدثها لما بلغه قول الزباء : « تمرد مارد وعز الأبلق » ، ورأى حصانة قلعته وعظمها - قال : هذه ماردين كثيرة لا مارد واحد ، وإنما جمعه جمع من يعقل ؛ لأن المرود في الحقيقة لا يكون من الجمادات ، وإنما يكون من الجن والإنس وهما الثقلان الموصوفان بالعقل والتكليف ، وماردين : قلعة مشهورة على قمة جبل الجزيرة ، مشرفة على دنيسر ودار ونصيبين وذلك الفضاء الواسع ، وقدامها ربض عظيم فيه أسواق كثيرة وخانات ومدارس وربط وخانقاهات ، ودورهم فيها كالدرج كل دار فوق الأخرى ، وكل درب منها يشرف على ما تحته من الدور ، ليس دون سطوحهم مانع ، وعندهم عيون قليلة الماء ، وجل شربهم من صهاريج معدة في دورهم ، والذي لا شك فيه أنه ليس في الأرض كلها أحسن من قلعتها ولا أحصن ولا أحكم ، وقد ذكرها جرير في قوله : يا خزر تغلب إن اللؤم حالفكم * ما دام في ماردين الزيت يعتصر وقد ذكرت في الفتوح . ينظر : معجم البلدان ( 5 / 46 ) .