يزيد بن محمد الأزدي
156
تاريخ الموصل
وفيها سار قتيبة إلى مرو الروذ ، فبلغ الخبر إلى مرزبانها ؛ فهرب إلى الفرس ، فقدم قتيبة فأخذ ابنين له ، فقتلهما وصلبهما ، ومضى إلى الفارياب ، فخرج إليه ملك الفارياب مذعنا مطيعا ؛ فرضى عنه ، واستعمل عليها رجلا من باهلة ، وبلغ الخبر صاحب الجوزجان ؛ فترك أرضه وخرج إلى الجبال هاربا ، وسار قتيبة إلى الجوزجان فلقيه أهلها مطيعين ، فقبل منهم ، واستعمل عليها عامر بن مالك ، وما زال ينصب المنجنيق على بلدة ويحرق بلدة ويبالغ في الجهاد ، حتى قتل في مكان واحد اثنى عشر ألفا . وفي هذه السنة ولى الوليد خالد بن عبد القسري مكة ، فلم يزل واليا إلى أن مات الوليد « 1 » . وحج بالناس هذه السنة الوليد بن عبد الملك ، فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه ، وأخرج الناس منه ، ولم يبق غير سعيد بن المسيب ؛ لم يجرأ أحد من الحرس أن يخرجه ، فقيل له : لو قمت ! قال : لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه ، فقيل : لو سلمت على أمير المؤمنين ! قال : لا والله لا أقوم إليه ، قال عمر بن عبد العزيز : فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد ؛ لئلا يراه ، فالتفت الوليد إلى القبلة فقال : من ذلك الشيخ ؟ أهو سعيد ؟ قال عمر : نعم ، ومن حاله كذا وكذا ، فلو علم بمكانك لقام فسلم عليك وهو ضعيف البصر ، قال الوليد : قد علمت حاله ونحن نأتيه ، فدار في المسجد حتى أتاه ، فقال : كيف أنت أيها الشيخ ؟ فوالله ما تحرك سعيد ، بل قال : بخير والحمد لله ، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله ؟ فانصرف وهو يقول لعمر : هذا بقية الناس ، وقسم بالمدينة دقيقا كثيرا وآنية من ذهب وفضة وأموالا ، وصلى بالمدينة الجمعة ، فخطب الخطبة الأولى جالسا ، ثم قام فخطب الخطبة الثانية قائما ، قال إسحاق بن يحيى : فقلت لرجاء بن حيوة وهو معه : أهكذا تصنعون ؟ قال : نعم مكررا ، وهكذا صنع معاوية وهلم جرا ، فقلت له : هلا تكلمه ! قال : أخبرني قبيصة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك ولم يترك القعود ، وقال : هكذا خطب عثمان ، قال : فقلت : والله ما خطب إلا قائما ! قال رجاء : روى لهم شئ فاقتدوا به ، قال إسحاق : ولم نر منهم أشد تجبرا منه « 2 » . ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وفيها غزا عمر بن الوليد ومسلمة أرض الروم ، ففتح على يد مسلمة ثلاثة حصون ،
--> ( 1 ) ينظر : المنتظم ( 6 / 299 ) . ( 2 ) ينظر : الكامل ( 4 / 554 ، 555 ) .