يزيد بن محمد الأزدي

149

تاريخ الموصل

فحمل أصحاب عبد الرحمن على القوم حتى أزالوهم عن صفهم ثم عادوا ، فإذا جبلة ابن زحر بن قيس الجعفي الذي كان على الرجالة - صريع ؛ فانكسر القراء وحمل رأسه إلى الحجاج ، فقال : يا أهل الشام ، أبشروا ؛ هذا أول الفتح . وما زالوا يقتتلون ويتبارز الرجل والرجل مائة يوم . ثم إن أصحاب عبد الرحمن انهزموا في بعض الأيام ، وأخذوا في كل وجه ، وصعد عبد الرحمن المنبر ، وأخذ ينادى الناس : عباد الله ، إلىّ إلىّ ! عباد الله ، إلىّ ، أنا ابن محمد . وجاء إلى جماعة من أصحابه ، فأقبل أهل الشام ، فحملوا عليهم وهو على المنبر فقال له عبد الله بن يزيد الأزدي : انزل ؛ فإني أخاف عليك أن تؤسر ، ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به بعد اليوم . وحضر مع القوم سلمة بن كهيل ، وعطاء السلمى ، والمعرور بن سويد ، وطلحة بن مصرف ، ورأى طلحة رجلا يضحك ؛ فقال له : أما إنك تضحك ضحك من لم يحضر الجماجم ! فقيل له : وشهدت الجماجم ؟ فقال : نعم ، ورميت فيها بسهم ، وليت يدي قطعت ولم أرم فيها . ثم إنه نزل من على المنبر ، وانهزم أهل العراق لا يلوون على شئ ، ومضى عبد الرحمن في أناس من أهل بيته إلى منزله ، فخرجت إليه ابنته ، فالتزمها ، وخرج أهله يبكون ؛ فأوصاهم بوصية وقال : لا تبكوا ؛ فكم عسيت أن أبقى معكم ، وإن الذي يرزقكم حىّ ، ثم ودعهم وخرج من الكوفة ، فقال الحجاج : لا تتبعوهم ، ومن رجع فهو آمن . وجاء الحجاج إلى الكوفة فدخلها ، فجاء الناس إليه ، فكان لا يبايعه أحد إلا قال : أتشهد أنك كفرت ؟ فإذا قال : نعم ، بايعه وإلا قتله ، فجاء رجل من خثعم فقال له : أتشهد أنك كافر ؟ فقال : بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله عز وجل ثمانين سنة ، ثم أشهد على نفسي بالكفر ! قال : إذن أقتلك ، قال : وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمرى ظمء حمار ، وإني لأنتظر الموت صباحا ومساء ، فقال : اضربوا عنقه ، فضربت عنقه ، ودعا بكميل بن زياد فقتله ، وأتى برجل فقال الحجاج : إني أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر ، فقال : أخادعى أنت عن نفسي ؟ أنا أكفر أهل الأرض ، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد ؛ فضحك الحجاج وخلى سبيله . وأقام الحجاج بالكوفة شهرا « 1 » . وفيها كانت الوقعة بمسكن بين الحجاج وابن الأشعث ، بعدما انهزم من دير الجماجم . وفيها عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة ، واستعمل عليها هشام بن إسماعيل

--> ( 1 ) ينظر : المنتظم ( 6 / 244 - 246 ) .