يزيد بن محمد الأزدي

140

تاريخ الموصل

وقطعه . وفي رواية أن غزالة امرأة شبيب نذرت أن تصلى في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران ، فدخل بها شبيب الكوفة ، فوفت بنذرها ، ولما رحل شبيب بعث الحجاج حبيب بن عبد الرحمن الحكمي في أثره في ثلاثة آلاف من أهل الشام ، وقال له : حيثما لقيته فنازله ، وبعث الحجاج إلى العمال أن دسوا إلى أصحاب شبيب : أن من جاءنا منهم فهو آمن ، فكان كل من ليست له تلك البصيرة ممن قد هده القتال يجئ فيؤمّن ، فتفرق عنه ناس كثير من أصحابه . وبلغ شبيب أن عبد الرحمن بالأنبار ؛ فأقبل بأصحابه فبيتهم ، فما قدر عليهم بشئ ، لأنهم قد احترزوا وجرت مقتلة ، وسقطت أيد وفقئت أعين ، فقتل من أصحاب شبيب نحو من ثلاثين ، ومن الآخرين نحو من مائة ؛ فمل الفريقان بعضهم بعضا من طول القتال ، ثم انصرف عنهم شبيب وهو يقول لأصحابه : ما أشدّ هذا الذي بنا لو كنا إنما نطلب الدنيا ، وما أيسر هذا في جانب ثواب الله عز وجل ! ثم حدث أصحابه فقال : قتلت أمس منهم رجلين ، أحدهما : أشجع الناس ، والآخر : أجبن الناس : خرجت عشية أمس طليعة لكم ، فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا القرية ؛ يشترون منها حوائجهم ، فاشترى أحدهم حاجته ثم خرج قبل أصحابه ، وخرجت معه ، فقال لي : أتشترى علفا ؟ فقلت : إن لي رفقاء قد كفونى ذلك ، أين ترى عدونا هذا ؟ فقال : قد بلغني أنه نزل قريبا منا ، وأيم الله ، لودت أنى قد لقيت شبيبهم هذا ! قلت : فتحبّ ذلك ؟ قال : نعم ، قلت : فخذ حذرك ، فأنا والله شبيب ، فانتضيت سيفي ، فخر والله ميتا وانصرفت . فلقيت الآخر خارجا من القرية ؛ فقال لي : أين تذهب الساعة ، وإنما يرجع الناس إلى عسكرهم ؟ فلم أكلمه ومضيت ، فتبعنى حتى لحقني ، فعطفت عليه فقلت له : مالك ؟ فقال : أنت والله عدونا ! فقلت : أجل والله ، فقال : والله لا تبرح حتى تقتلني أو أقتلك ، فحملت عليه وحمل علىّ ، فاضطربنا بسيفنا ساعة ، فوالله ما فضلته في شدة نفس ولا إقدام ، إلا أن سيفي كان أقطع من سيفه ؛ فقتلته « 1 » . وفيها هلك شبيب الخارجي ؛ وكان سبب ذلك أن الحجاج أنفق في أصحاب سفيان بن الأبرد مالا عظيما ، بعد أن عاد شبيب عن محاربتهم وقصد كرمان بشهرين ، وأمر سفيان وأصحابه بقصد شبيب ؛ فسار نحوه ، وكتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب زوج ابنته - وهو عامله على البصرة - يأمره أن يرسل أربعة آلاف فارس من أهل البصرة إلى سفيان ؛

--> ( 1 ) ينظر : المنتظم ( 6 / 187 - 190 ) .