يزيد بن محمد الأزدي
138
تاريخ الموصل
إليهم الحجاج : أما بعد ، فإنكم قد اعتدتم عادة الأذلاء ، وقد صفحت لكم مرة بعد مرة ، وإني أقسم بالله عز وجل قسما صادقا : إن عدتم لذلك لأوقعن بكم إيقاعا يكون أشد عليكم من هذا العدو الذي تهربون منه في بطون الأودية والشعاب ، وبعث إلى عبد الرحمن عند طلوع الشمس فقال : ارتحل الساعة ، وناد في الناس : برئت الذمة من رجل من هذا البعث وجدناه متخلفا ، فخرج حتى مر بالمدائن ، فنزل بها يوما وليلة ، واشترى أصحابه حوائجهم ، ثم نادى بالرحيل ، ودخل على عثمان بن قطن ، فقال له عثمان : إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب وأحلاس الخيل ، والله لكأنهم خلقوا من ضلوعها ؛ الفارس منهم أشد من مائة ، فلا تلقهم إلا في تعبية أو في خندق ، فخرج في طلب شبيب ، فارتفع شبيب إلى دقوقاء ، وكتب الحجاج إلى عبد الرحمن أن اطلب شبيبا أين سلك ؛ حتى تدركه فتقتله أو تنفيه . وكان شبيب يدنو من عبد الرحمن ، فيجده قد خندق على نفسه وحذر ؛ فيمضى عنه ، فإذا بلغه أنه قد سار انتهى إليه فوجده قد صف الخيل ؛ فلا يصيب له غرة ، فإذا دنا منه عبد الرحمن ارتحل خمسة عشر فرسخا أو عشرين ، فنزل منزلا غليظا خشنا . ثم إن الحجاج عزل عبد الرحمن وولى عثمان بن قطن على أصحابه ، فخرج شبيب في مائة وواحد وثمانين رجلا ، فحمل عليهم فانهزموا ودخل شبيب عسكرهم ، وقتل نحوا من ألفين من ذلك العسكر ، وقيل لابن الأشعث : قد ذهب الناس وتفرقوا ، وقتل خيارهم ، فرجع إلى الكوفة فاختبأ من الحجاج حتى أخذ له الأمان بعد ذلك « 1 » . وفيها ولى عبد الملك بن مروان أبان بن عثمان المدينة ، فحج أبان بالناس هذه السنة . وتوفى في هذه السنة من الأعيان : حبة بن جوين بن علي أبو قدامة العرني الكوفي ، وزهير بن قيس بن شداد البلوى ، وشريح بن الحارث بن قيس أبو أمية القاضي « 2 » . ثم دخلت سنة سبع وسبعين وفيها قتل شبيب الخارجي عتاب بن ورقاء الرياحي وزهرة بن حوية ؛ وذلك أن شبيبا لما هزم الجيش الذي بعثه الحجاج مع ابن الأشعث ، وقتل عثمان بن قطن أوى - من الحرّ - إلى بلده يصيف بها ، ثم خرج في نحو من ثمانمائة رجل ، فأقبل نحو المدائن ، فندب الحجاج الناس ، فقام إليه زهرة بن حوية وهو شيخ كبير ، فقال : إنك إنما تبعث
--> ( 1 ) ينظر : المنتظم ( 6 / 181 - 183 ) . ( 2 ) ينظر : المنتظم ( 6 / 184 - 185 ) .