يزيد بن محمد الأزدي

129

تاريخ الموصل

لله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عمد بفاحشة ، ولم يجر في حكم الله عز وجل ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به ، بل أنكرته ، ولم يكن شئ آثر عندي من رضا ربي عز وجل ، اللهم إني لا أقول هذا تزكية منى لنفسي ؛ أنت أعلم بي ، ولكن أقوله تعزية لأمى لتسلو عنى ، فقالت : إني لأرجو من الله - عز وجل - أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتنى ، اخرج حتى أنظر ما يصير أمرك ، فقال : جزاك الله يا أماه خيرا ، ولا تدعى الدعاء لي قبل وبعد ! فقالت : لا أدعه أبدا ، فمن قتل على باطل فقد قتل على حق ، ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب في الظلماء ، وذلك الصوم في هواجر المدينة ومكة ، وبره بأبيه وبي ، اللهم إني قد أسلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبنى في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين ! ثم إن القوم أقاموا على كل باب رجالا وقائدا ، فشحنت الأبواب بأهل الشام ، وكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة ، ولأهل دمشق باب بنى شيبة ، ولأهل الأردن باب الصفا ، ولأهل فلسطين باب بنى جمح ، ولأهل قنسرين باب بنى سهم ، فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية ، ومرة في هذه الناحية ، كأنه أسد لا يقدم عليه الرجال ، وقالت لابن الزبير زوجته : اخرج أقاتل معك ، فقال : لا ، وأنشد : كتب القتل والقتال علينا * وعلى المحصنات جر الذيول فلما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ، وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير الأبواب ، وباب ابن الزبير يصلى ليلته ، ثم احتبى بحمائل سيفه ، فأغفى ثم انتبه ، فقال : أذن يا سعد ، فأذن عند المقام ، وتوضأ ابن الزبير وركع ركعتي الفجر ثم تقدم ، وأقام المؤذن فصلى بأصحابه ، فقرأ ن وَالْقَلَمِ [ القلم : 1 ، 2 ] ، وقال : من كان سائلا عنى فإني في الرعيل الأول ، وأنشد : ولست بمبتاع الحياة بسبّة * ولا مرتق من خشية الموت سلّما ثم قال : احملوا على بركة الله ، ثم حمل حتى بلغ بهم الحجون ، فرمى بآجرة فأصابته في وجهه ؛ فأرعش لها ودمى وجهه فلما وجد سخونة الدم تسيل على وجهه ولحيته قال يرتجز : فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا تقطر الدما وتغاووا عليه فقتل . وجاء الخبر إلى الحجاج ؛ فسجد وسار حتى وقف عليه ومعه طارق بن عمرو ، فقال