محمد سليم الجندي
36
تاريخ معرة النعمان
أن يكون ذلك برضا شبابها ، وأن يحيوا رجالاتها ، ويخفضوا الاعلام اجلالا لها ، وكذلك يفعلون بكل رجل له مكانة ، فان أخلوا بشيء من تلك العادات ثارت فتنة عمياء ، واشترك فيها رجال المحلات من شيوخ وكهول وشبان ، وربما قتل وجرح فيها عدد غير يسير . وقد شهدت عراضة وأنا صغير ، اضطرمت فيها نار الثورة والفتنة بين أهل المحلة الشمالية ، والمحلة القبلية ، احتدمت فيها الحرب بين الفريقين على مقربة من مسجد أبي العلاء إلى الشمال والغرب ، وأثخن عدد عظيم من الجرحى ، ثم خشيت أن يصيبني منها وابل أو طل ، وحذرني ذلك بعض الرجال ، ففررت إلى داري حتى وضعت الحرب أوزارها . وهم يتبجحون بذكر هذه الفتن ويتحدثون في مجتمعاتهم عما وقع فيها ويعظمون ما ظهر من البطولة فيها ، حينا بعد آخر ، ويروي الخلف عن السلف ما فعله فلان ، وما أظهره من الشجاعة في واقعة كذا ، وهذه كلها موروثة عن أهل البادية ، متأصلة في نفوس أهل المدينة . فإذا قدر اللّه ان لم يقع شيء من هذا ، قامت فئة مؤلفة من بيرقدار وهو حامل اللواء ، وشيخ شباب ، وهو عميدهم الذي يرتضونه لذلك ، وجماعة ممن يلعب بالسلاح السيف والعصا ، ومعهم آخرون ينشدون ، وآخرون ينظرون ، فطافت على منازل الأعيان والموسرين ، فيقفون على باب المنزل فيضع صاحبه على سنان الرمح ، أو رأس العلم خلعة ، وقد كانت في الغالب جبة ثمينة ، فإذا فرغوا من ذلك ، اجتمعوا في محل ، وجاء أصحاب الخلع ، فيدفع كل واحد شيئا من الدراهم القليلة ، ويسمى ذلك فكاكا ، ثم يأخذ خلعته ، ومنهم من لا يأخذها ، ثم تقتسم الجماعة هذه الأموال على سهام معروفة ، بعد