ابن فرحون

84

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

بلسانه فيسفههم ، ويحطّ منهم ، وكان الوقت لينا على حال أهل السنّة لا يتمكن فيه من القيام بالحق ، كما هو اليوم الحمد للّه . وكان في أيامه شخص من كبار الإمامية اسمه يعقوب بن الصفي يقف في وسط الروضة ، ويقول بأعلى صوته : إن كان رفضا حبّ آل محمد * فليشهد الثقلان أني رافضي فيفزع من ذلك أهل السنّة ، وكان له في مثل هذا التعصب أمثال وله أعوان ، فأنكر الشريف يعقوب عليه ، وباحثه وخطأه في مسائل بحث فيها ، فرفع الأمر إلى الأمير منصور « 1 » ، فرفع الشريف ورمي في الجب ، ولم يخرجوه منه حتى غرّموه ألف درهم ، وكان لا مال له ، فضيقوا عليه ونكلوا به وتشفّوا من أهل السنّة ، فجمعت له غرامته ودفعت إليهم . فلما جاء الموسم ارتحل إلى العراق وأقام فيه مدة ، وصحب الفقيه العلامة المصنف شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر المالكي « 2 » ، وغيره فأحسنوا إليه إحسانا كثيرا ، ثم جاء المدينة فأقام بها وقد جمع شيئا من الدنيا ، فسلط اللّه عليه رجلا من أهل الشر اشتغل به ، فآذاه وبالغ في أذيته حتى وصل إلى أن قال له : ما أنت شريف ، فلحقته حمية أزعجته ، فسافر يريد بلده لإثبات نسبه ، فلقيه جماعة كثيرة من كبار أهل تونس وعلمائها ورؤسائها . فقالوا له : أين تذهب ؟ فقال : جرى لي كذا وكذا ، وأنا أريد بلدي ، وإثبات نسبي وآتي به معي ، وإلا فلا أرجع إلى المدينة وأنا بهذه الحالة . فقالوا كلهم : نحن نشهد بأنك شريف النسب ، وأن جماعتك وأهلك كلهم كذلك ، لم يزل هذه معلوما ، وبيننا مشهورا .

--> ( 1 ) هو : الشريف منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم الهاشمي الحسيني ، استقل بالإمارة في حياة والده سنة 700 ه ، قتل في رمضان سنة 725 ه . ترجمته في : « الدرر الكامنة » 4 / 362 ( 988 ) . ( 2 ) هو : الفقيه العالم الصالح المحدث ، شهاب الدين عبد الرحمن بن محمد بن عسكر البغدادي ، ولد سنة 644 ه ، له تصانيف منها : « عمدة السالك والناسك » ، توفي سنة 732 ه . ترجمته في : « شجرة النور الزكية » 204 ( 702 ) ، « الدرر الكامنة » 2 / 344 ( 2353 ) .