ابن فرحون

82

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

ثلاث وعشرين وسبعمائة في عيد الأضحى رحمة اللّه عليه ، وتوفي الشيخ صالح عام سبع وسبعمائة ، وقد قارب عمره السبعين . وكان من أرباب القلوب وأصحاب العوارف والمعارف والعكوف على العبادة والخير : الشيخ العالم الورع الزاهد أبو القاسم محمد بن محمد بن مالك بن سهل المقرئ النحوي المتقن ، المحدث الإمام الفلكي الأندلسي الغرناطي « 1 » . صحبته فلم أر أحدا وصل إلى مقامه في التوجه والمحافظة على أوراده من صيامه وقيامه ، كان من بيت الوزارة بالأندلس ، فلما توفي والده تخلى عن القربة من أهل الإمارة ، واشتغل بنفسه ، وورث مالا كثيرا فكان يقتات به وينفق منه ، ولا يأكل من غيره ولو عرض عليه ، كان رحمه اللّه رحلة في الفقه ، وله يد طولى في علم الهيئة ، لم يصل أحد إلى ما وصل إليه إلا القليل ، وكان يقسم لي باللّه تعالى أنه ما ازداد بعلمها إلا يقينا ، له مقامات لا يصل إليها أحد من المجاهدات إلا من سبقت له العناية الأزلية والمواهب العلية . نزل معي في منى وكان لا يترك قيام الليل لا في سفر ولا في حضر ، فقام تلك الليلة في منى على عادته ، فلما أصبح طلبت منه « مناسك الحج » لابن مسدي رحمه اللّه ، وكان لا يتركها إذا حجّ ، وكانت نسخة عظيمة بخط أخي عليّ رحمه اللّه مجلدا كبيرا ، وفي هذا الكتاب التعرض لذكر المذاهب كلها ، وأردت أن أكشف على مسألة . فقال لي : واللّه قد سرقت البارحة هي والبرنس والسيف . فقلت له : وكيف ذلك ؟ قال : جاء السارق من وراء المحارة وأنا في الصلاة أنظر إليه ، فهمّت نفسي بأخذه أو الصّياح عليه ، فآثرت صلاتي ، وقلت : دعه ، ما أنا فيه خير مما يفوتني . انظر هذا المقام العظيم !

--> ( 1 ) ترجمته في : « معجم الشيوخ » للذهبي 2 / 272 ( 834 ) ، « درة الحجال » 2 / 100 ( 533 ) ، « الدرر الكامنة » 4 / 178 ( 483 ) .