ابن فرحون

80

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

ثم سافر الشيخ إلى القدس الشريف فوافاه بها الشيخ أبو يعقوب رسول السلطان أبي الحسن المديني ، وقد أرسل لإقامة درس بالمدينة ووظيفة أخرى ، فاستشاروه فيما جاؤوا به ومن يتقدم فيه ، فأشار عليهم بأن لا يقدم عليّ أحد ، ففعلوا ذلك ، وحصل لي الخير ببركة الشيخ وإشارته رحمه اللّه . ثم سافر أخي عليّ رحمه اللّه إلى مصر ، فلقي بها الشيخ أبا عبد اللّه الوادي آشي والشيخ أبا عبد اللّه بن الحداد ، فسألهما المساعدة في السعي لي في وظيفة التدريس بالمدرسة الشهابية وغيرها ، فطالبهما قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي المالكي « 1 » بإثبات الأهلية ، فكتب بذلك محضرا وشهدا بما فيه . فلما وقف عليه ابن الأثير كاتب السر ، قال : بعد أن تشهدا بذلك فأنا أفعل لكما ما تحبّان ، وجاءني في الموسم مرسوم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون رحمة اللّه عليه بالمدرسة المذكورة . وكان الشيخ أبو عبد اللّه الوادي آشي « 2 » من شيوخنا المباركين الذين صحبوا والدي ورعوه في ذريته ، وكان رحمه اللّه شيخا في الحديث قد أفنى عمره في السّماع ، ثم الإسماع ، وكان يحرص على إسماع الصغار ، ويأخذ خطوط الشيوخ لهم من غير أن يعلموا بذلك رجاء نشر العلم ، وأن يذكر فيدعى له ، وكان من أحسن الناس في علمه وأنسه ، وفوائده ، وفرائده ، وصلى بالناس صلاة التراويح في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم أسمع أحسن من جودة قراءته وجودة حفظه وترتيب مواقفه ، وكان من القراء المجوّدين توفي بمدينة تونس بعد الحج والزيارة في حدود خمسين وسبعمائة رحمه اللّه . قلت : وقد ذكرت الشيخ أبا عبد اللّه الوادي آشي استطرادا في ذكر

--> ( 1 ) هو : تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران السعدي المصري ، المعروف بابن الأخنائي : ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة . تولى قضاء قضاة المالكية بمصر ، وكان من عدول القضاة وخيارهم ، توفي سنة خمسين وسبعمائة . ترجمته في : « الديباج المذهب » 327 ، « الدرر الكامنة » 3 / 407 ( 1080 ) ، « معجم الشيوخ » للذهبي 2 / 320 ( 891 ) . ( 2 ) هو : محمد بن علي بن جابر الوادي آشي . ترجمته في : « التحفة اللطيفة » 2 / 542 ( 4005 ) ، نقلا عن ابن فرحون .