ابن فرحون
73
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
ثم أدركت من الشيوخ الكبار عليا الواسطيّ « 1 » ، كان من الأولياء ملازم الصوم ، قد حمى عينيه النوم ، كان يقيم بالمدينة أو بمكة ، حتى إذا اشتاق إلى وطنه أخذ ركوته وخرج حتى يأتي أرض العراق لا يعترضه أحد من الأعراب ، ومن وجده أكرمه وبلّغه إلى حيث يأمن عليه ، قد عرفته العرب واعتقدته آل مهنّا اعتقادا عظيما ، حتى كانوا يصدرون عن رأيه ، ويتبركون بعصاه وثوبه ، وكان إذا جاء المدينة سكن إحدى المدرستين الشهابية أو الأزكجية ، ويخدمه جمال الدين المطري ويقوم به ، ويقتصر الشيخ عليه لا يكاد أحد يدنو منه لهيبته في النفوس . وحكى لي جمال الدين رحمه اللّه : أنّ الشيخ بعث إلى الملك الناصر يقول له : أنا أضمن لك على اللّه قضاء ثلاث حوائج إن قضيت لي حاجة واحدة ، وهي إزالة هذا الشّبّاك الذي على الحجرة الشريفة ، فبلغه ذلك فتوقف ولم يفعل ، وليته فعل فإنّ في الشباك الذي يدور على الحجرة ، قطع جانب من المسجد ، وتحجيز كثير من الروضة المشرفة ، وفي كلّ زمان يجدّد ويعمر بما يتقوى به ويتأبّد ، وأدخلت فيه قطعة كبيرة لما أزيلت المقصورة ، وقد تقدّم ذلك . وللشيخ - رحمه اللّه - أنواع من الكرامات ، لحق بها أهل الولايات ، توفي - رحمه اللّه - في حدود الثلاثين وسبعمائة « 2 » . ومثله من سكان المدرسة الشهابية الشيخ أبو الربيع سليمان الغماري « 3 » رحمه اللّه ، كان من شأنه التجرد والتقلل من الدنيا والتعبد ، كان يأخذ في الموسم قوته كفافا ويتصدّق بما زاد ، وكان الشيخ عمر الخراز يشتري له إدامه ويحاول هو ذلك بنفسه ، ولم يزل كذلك حتى كفّ بصره ، فعرض عليه القيام بما يحتاج إليه من الإدام فلم يفعل ، وكان يضع القديرة على
--> ( 1 ) هو : علي بن الحسن الواسطي ، ذكره السخاوي في : « التحفة اللطيفة » 2 / 310 ( 3121 ) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ « الدرر الكامنة » 3 / 37 ( 82 ) ، « معجم الشيوخ » 2 / 24 ( 525 ) . ( 2 ) في مصادر ترجمته : سنة 733 ، وكذا ذكر بهامش النسخة ( ب ) ، نقلا عن الأصل المنسوخ منه . ( 3 ) ذكره السخاوي في : « التحفة اللطيفة » 1 / 423 ( 1653 ) ، نقلا عن ابن فرحون والمجد اللغوي .