ابن فرحون
66
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
جاء أحد وشكى إليه من ضرر أو مرض ، قال له : قل : يا أول الأولين ، ويا آخر الأخرين ، ويا ذا القوة المتين ، ويا راحم المساكين ، ويا أرحم الراحمين سخر لي كذا ، أو اصرف عني كذا . فإن جاءه يشكو من فاقة وقلة ، قال له : قل : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [ فاطر : 2 ] . ومما جرى من أحواله ، أن المدينة حوصرت أياما ، واشتد حال الناس من التضييق عليهم والخوف من عدوّهم ، ومع ذلك لا يدري ما الناس فيه ، حتى دخلت المدينة سحرا ، فهرب الناس فاختفوا في بيوتهم ، فلقيه شخص من الهاربين من أرباب الدولة والشيخ قد توضأ وخرج إلى المسجد فقال له : يا سيّدي أين تريد ؟ قال : المسجد . قال : المدينة دخلت وأبواب المسجد غلقت ، لا يدخله أحد . قال : أي شيء تقول ! فأعاد عليه . قال : ومن هم هؤلاء المساكين الذين أخافوا المدينة وأهلها ، ويريدون أن يمنعونا من صلاة الصبح في جماعة ؟ ثم مضى إلى المسجد فعلم بمكانه ففتح له ، ودخل وصلى ما كأنّ شيئا جرى ، فكان ذلك الشخص يحكي هذه الحكاية ويعجب الناس بها . ولقد أخبرني بعد وفاة والدي وكان يقرأ على والدي العربية ، ويقطع الكتاب من أوله إلى آخره ، ثم يعيده مرة أخرى لطلب المؤانسة معنا ، والمحبة في والدي فبشرني بأنني أكون في مقامه ، وأتولى ثلاث ولايات في ذلك العام فكان كذلك ، جاءني موسم بالتدريس في المدرسة الشهابية ، وجاءني تدريس درس القاضي فخر الدين ناظر الجيش ، وجاءني تدريس من المغرب ، أقامني فيه شعيب ابن أبي مدين « 1 » ، وذلك كله في عام ثلاث
--> ( 1 ) هو : شعيب بن محمد بن جعفر بن شعيب ، رضي الدين أبو مدين التونسي : ولد في شعبان سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، كان علامة في الفقه والنحو والفرائض ، قال العسقلاني في « الدرر » : « قرأت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي ، أنه كان أحد أذكياء العالم » ، توفي سنة سبعين وسبعمائة . ترجمته في : « الدرر الكامنة » 2 / 192 ( 1939 ) ، « شذرات الذهب » 8 / 374 .