ابن فرحون

50

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

واتّسم بأنه من أرباب الحقيقة ، وانعطف عليه هذا الطواشي وغيره ، فأسكنوه وقربوه ، وأتحفوه بأنواع الملابس وفاخر الأطعمة ، وكان قد تبدن وسمن من كثرة ما يأكل . وكان يقول : الآن قام من عندي الخضر عليه السلام . وقال لي : كذا وكذا ، إلى أن قال : لي ملك كذا وكذا . ثمّ ترقّى حتى قال : كلمني القلم ، ورأيت الملكوت ، وأنواعها من هذه الترهات والخزعبلات ، وقام عليه جماعة من أهل الخير ، وبلّغوا الحاكم مقالته ونصب خيالاته ، فأدعي في مجلس كبير وحضره شيخ الخدام ، وجماعة من لفيف العوام ، فسألوا عما نقلوا عنه ، فكان يقول مقالة غير مقالة الآخر ، لم يجتمع على الشهادة اثنان فخلّي سبيله ، ثم سافر إلى القاهرة واشتهر بها ذكره وكثر أتباعه ، ثم انتقل إلى العراق فقيل : إنه قتل بها . قال لي والدي رحمه اللّه : إن هذا الرجل كان له مال كثير ورثه من والده ، فأخرجه على الفقراء وتصدق به كله ، وخرج فقيرا ، لكنه لم يقف عند حده ، بل طمع في الولاية ، وهي لا تحصل إلا بالموهبة الإلهية ، والعناية الربانية ، وإنما ذكرت حال هذين الرجلين تنبيها على حسن اعتقاد الخدام في المجاورين ، وجميل ظنهم فيهم رحمهم اللّه تعالى . ومنهم عزّ الدين مختار الحلبي ، كان من كبار الخدام ، وممن اتصف بأحوال الصالحين ومحبة العلماء ، أثنى عليه الشيخ عبد الواحد الجزولي « 1 » رحمه اللّه ، وذكر له مناقب كثيرة ، وكان مسكننا مع والدنا في داره التي أوقفها على جمال الدين المطري مجاورة لرباط الشيرازي ، وهي اليوم وقف على أولاده رحمهم اللّه تعالى . ومنهم شفيع الكرموني « 2 » ، كان - رحمه اللّه - من أحسن الخدام شكالة وطولا ، وأعدلهم بنية ، وكان من أقدرهم على مخالطة الناس ،

--> ( 1 ) ذكره في : « التحفة اللطيفة » 2 / 220 ( 2765 ) ، نقلا عن ابن فرحون . ( 2 ) ذكره في : « التحفة اللطيفة » 1 / 444 ( 1740 ) ، نقلا عن ابن فرحون .