ابن فرحون

42

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

ودين ، وعزة وحسن يقين ، صحب المشايخ الكبار من المجاورين ، فتأدب بآدابهم ، واكتسب من أخلاقهم ، فلزم قراءة القرآن ، وجاهد نفسه بالصيام والقيام والصدقة والإحسان ، وأوقف أملاكا ما بين نخيل ودور ، وأعتق خداما وعبيدا وإماءا يزيد عددهم على الثلاثين ، وعلّق من خدامه في الحرم سبعة ، وكفل أيتاما وحرما ، ونعّمهم بالمأكل والملبس والمسكن حتى كانوا يعدّون من عياله ، وله مناقب جليلة ، ومحاسن عديدة . منها : أنه لما سافر إلى الديار المصرية استخلف على بيته وأمواله بعض أصدقائه من المجاورين ، وكان في البيت إماء وعبيد وخدام ، فاستأمنهم الوكيل ، وظن أنهم لا يتفقون على الخيانة ، فخربوا البيت وضيعوا أكثر ما فيه ، فلما قدم الشيخ عزّ الدين من مصر ، فقد ما خلفه في بيته فسأله عنه . فقال : لا علم لي بشيء ، غير أني كنت أخرج لهم نفقتهم ، وأصرف عليهم ما يحتاجون إليه ، ولا أعلم من حالهم شيئا ، ولم أظن فيهم أنهم يتواطؤون على الخيانة ، فحاسبه على ما خلّفه في بيته ، فوجدوه قد نقص مقدار أربعة وعشرين ألف درهم . فقال له : هذه لازمة لك بحكم الشرع ، لأنك فرطت فيما وكلتك فيه . فقال : نعم . ألتزم بها وأقوم بأدائها ، فتقوّم من أملاكي ونخيلي ما شئت ، فخلا الشيخ بأصحابه وشاورهم في ذلك . فقالوا له : المفرّط أولى بالخسارة . فقال لهم الشيخ : لم يصب رأيكم ، رجل صحبته في اللّه ، وأقرأني القرآن ، أغرمه شيئا أفسده عبيدي ولم يتدنس منه بشيء ، معاذ اللّه من ذلك ، وأبرأ ذمته . ولم يزل له صديقا إلى أن فرق الموت بينهما . رحمهما اللّه تعالى . له بالحرم الشريف آثار حسنة ، وكان فيه من الشدة في الدين على الأشراف ما كان في ظهير الدين وزيادة ، مع الانقياد إلى الشرع والموافقة على الخير ، وكان حين ولايته في القاهرة سعى في المشيخة صفي الدين جوهر « 1 » خادم اللالا فأعطيها ، وكان بينه وبين جمال الدين المطري شيء

--> ( 1 ) ذكره في : « التحفة اللطيفة » 1 / 252 ( 810 ) ، نقلا عن ابن فرحون ؛ « الدرر الكامنة » 1 / 544 ( 1471 ) .