ابن فرحون
36
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
وكان صلى اللّه عليه وسلم يكرم من يدخل عليه ، وربما بسط له ثوبه ، ويؤثره بالوسادة ، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ، ويكني أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز ، فيقطعه بنهي أو قيام ، ويروى : بانتهاء . ويروى أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته ، وسأله عن حاجته ، فإذا فرغ عاد إلى صلاته ، وكان أكثر الناس تبسما ، وأطيبهم نفسا ، ما لم ينزل عليه قرآن ، أو يعظ ، أو يخطب . وكان صلى اللّه عليه وسلم يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ، ويقمّ البيت ، ويعقل البعير ، ويعلف الناضح ، ويأكل مع الخادم ويعجن معها ، ويحمل بضاعته من السوق . وقال أنس رضي اللّه عنه : خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي : أفّ ، قطّ ، ولا قال لي في شيء صنعته : لم صنعته ، ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ وكان صلى اللّه عليه وسلم قد وسع الناس بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء . وكان دائم البشر سهل الخلق ، لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخّاب في الأسواق ، ولا فحّاش ، ولا عيّاب ، ولا مزّاح ، ولا يجز بالسّيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح صلى اللّه عليه وسلم ، ولو تتبّع هذا لملأ الصّحف فصوله وأبوابه ، وأعجز الكتاب تدوينه وكتابه ، فحقّ على جميع أمته ؛ العامي والشريف ، والقوي منهم والضعيف ، خصوصا من جاوره وخدم ضريحه ، أن يقتبس من أخلاقه ، ويتأدب بآدابه ، ويروض نفسه الغوية على اتباع سنّته العلية ، ولو أن يكف يده إذا غلب على لسانه ، ويعظّم من تفقه في دينه ، واتبع سنّة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم وسنن آله وصحابته ، وإذا رأى من حملة القرآن والعلم أحدا سرّ به وبرؤيته ، وسأل من دعوته ، ولا يسيء الظن بأحد بأدنى هفوة أو زلة ، فإن الإنسان ليس بمعصوم ولو حاز كل العلوم .