ابن فرحون
31
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
فأقول له : محمد . فيفتح لي ، ثم يجيء صاحبي فيفعل معه مثل ذلك ، ثم كذلك لثالثنا ، وكان اسمه عبد الرحمن ، من قرابة الشيخ محمد بن صالح « 1 » نائب الإمامة والخطابة . قال : فخلا الشيخ بي وقال لي : يا محمد ، أنت تتصور ما أنا وأنت فيه كل ليلة ؟ فقلت له : لا علم لي . فقال لي : صدقت ، لو علمت لظهر عليك أثره . ثم قال لي : أحضر عقلك وانظر إلي كيف أبقى بعدك محجوبا عن الدخول ، وأنت مأذون لك دوني ، فتدخل وتجتمع بمحبوبك وتخلو به وتتلذذ بمناجاته ، وأنا مطرود وراء الباب مبعود ! يا بني هذا حال الآخرة ، لا يفعل بك مثل ما هو اليوم يفعل بي . قال : فوجدت بذلك موعظة عظيمة كنت عنها غافلا . فانظر إلى هذا الشيخ كيف نبه على هذا الكيف ، وحال من انتمى إلى هذا المحل يجري هذا المجرى ، أليس هو صلى اللّه عليه وسلم يسمع من يسلم عليه ؟ فإذا وقف أحدنا بين يديه كوقوف المملوك بين يدي المالك ، وقد خالفه في أمره له ونهيه ، وارتكب من الأخلاق السيئة ما لا يرضى به ، أليس جديرا بأن يعرض عنه ، ويغضب عليه ، ويقول له بلسان الحال : أنت لا تصلح لقربي ، ولا أن تكون في زمرتي ، ولا أرضى أن تكون معي ، بأي وجه تأتي إليّ وأنت المسئ إلى جيراني وأحبابي ، ومن هو منتمي إلى سنّتي ؟ فما الجواب يا ضعيف الرأي ، وقد أخرك عملك ، وجنى عليك خلقك ؟ ولا أقول هذا لغيري حتى أبدأ بنفسي ، ولهذا أمثال في شريعته صلى اللّه عليه وسلم يشهد لما ذكرته .
--> ( 1 ) هو : محمد بن صالح بن إسماعيل الشمس بن التقي الكناني : ولد سنة 703 ، تولى الخطابة والإمامة ، وكان عارفا بالقراءات ، توفي سنة 785 . انظر ترجمته في : « التحفة اللطيفة » 2 / 484 ، « الدرر الكامنة » 3 / 457 .