ابن فرحون
16
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
« إذا قام أحدكم » وفي حديث أبي عوانة : « من قام من مجلسه ثمّ رجع إليه ، فهو أحقّ به » . قال علماؤنا : هذا يدلّ على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه ، لأنّه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أحرى وأولى ، وقد قيل : إنّ ذلك أولى ، وقد قيل : إنّ ذلك على النّدب ، لأنه موضع غير متملّك ، لكنّه يختصّ به إلى أن يفرغ غرضه منه ، فصار كأنه تملّك منفعته ، إذ قد منع غيره من مزاحمته . وقال في « الإقليد » : وما في جوامع مصر من ذلك مما لم ينكره أهل العلم ، دليل على ذلك ، فأمّا ما وضع منها لطلب الأجرة كالمعلمين ، فلا يكونون أحقّ بها ، بل ينبغي إزالتها ، وكذلك إن وضع للعالم في الموضع حصير فهو أحق بذلك الموضع ، وإن تأخّر حتى سبقه غيره ، ويراعى في ذلك حقّ من يقصد العلماء فيجدهم في مكانهم . وفي « الموطأ » « 1 » : أنّه كانت طنفسة توضع لعليّ « 2 » بن أبي طالب رضي اللّه عنه يوم الجمعة تحت الحائط الغربي ، فإذا غشيها الظّلّ ، يخرج عمر رضي اللّه عنه فيخطب ، وهذا يرسخ ما تقدّم . قال الباجي - رحمه اللّه - في كلامه على حديث صفوان مع السّارق لردائه : قال ابن القاسم في « العتبية » : فمن سرق من بسط المسجد التي توضع فيه في رمضان ؛ فإن كان عندها صاحبها قطع . قلت : وهذا يدلّ على أنّ السّلف كانوا يضعون البسط في المسجد في رمضان ، ليحفظوا بها أماكن صلاتهم . قال القاضي أبو بكر في قوله عليه الصلاة والسلام : « منى مناخ من سبق إليه برحله » « 3 » ، دليل على ما يفعله الصوفية اليوم من تقديم سجاجيدهم إلى المسجد ليحفظوا أماكنهم للصّلاة .
--> ( 1 ) باب وقت الجمعة ، ص 23 ، حديث ( 13 ) . ( 2 ) في النسخة المطبوعة : « لعقيل بن أبي طالب » . ( 3 ) رواه الترمذي 3 / 228 « باب أن منى مناخ من سبق » ( 881 ) ، وأبو داود 2 / 521 « باب تحريم حرم مكة » ( 2019 ) . ولم ترد في هذه الروايات لفظة : « برحله » .