ابن فرحون
12
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف الحمد للّه الذي أذلّ بالعلم رقاب أهل الجهل ، وكسر بصدمته كلّ بارد الشّكل سخيف العقل ، وجعل اليد العليا لمن اتّبع هدي المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وشرّف وكرم ، أحمده على ما خوّل من النّعم ، ودفع من النّقم ، وأصلّي على خير أنبيائه صلاة دائمة بدوامه ، كفيلة بفضله وإنعامه . وبعد ؛ فإنّ اللّه تعالى رفع أهل العلم بما علّمهم ، وشرّفهم بما وهبهم ، من معرفة كتابه وسنّة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ثمّ عظّم لهم الأجر بما سلّط عليهم من جهلة النّاس ، نعوذ باللّه من الوسواس الخنّاس ، تجدهم يحرصون على هضم جانب العلماء ولو تمكنوا لأبادوهم عن آخرهم بسعيهم عليهم وتوقّع هلاكهم ، كلّ ذلك لأجل قيامهم عليهم بالحقّ عند خلافهم الشرع ، وما هذه إلا بلية ، وفتنة جاهلية ، قدّرها اللّه تعالى على العلماء الذين هم ورثة الأنبياء . قال عليّ رضي اللّه عنه : كلّ امرئ قدره ما كان يحسنه * وللرّجال على الأفعال أسماء وضدّ كلّ امرئ ما كان يجهله * والجاهلون لأهل العلم أعداء في أبيات له رضي اللّه عنه . هذا في زمانه ، ولا شكّ أنّ زمانه خير من زماننا ، ومن زمان من قبلنا ، لكنّ جهل زماننا مركب من جهلين : يجهلون ، ويجهلون أنّهم يجهلون . إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي * تسائل ذا علم فياضيعة العمر ومن أعظم الأشياء أنّك جاهل * وأنّك لا تدري بأنك لا تدري