ابن فرحون

78

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

أن ذلك الشخص أودعني مبلغا قليلا ، وصّى به في شراء نخيلات تكون وقفا على رباط السبيل ، فقلت للأمير وأعوانه : ليس عندي غير هذا ، وقد وصاني فيه بكذا ، ومعي على ذلك شهود جياد أحدهم الشيخ عز الدين دينار شيخ الحرم ، والآخر الشيخ عز الدين الواسطي ، وكان الأمير طفيل غائبا في الفلاة ، واشتغل بي ذلك القاضي وتلك الجماعة ، وكانت قضية عويصة ، صادفت أوقاتا شنعة ، وعدا بشعة ، لها قضية طويلة جرى لي في أثنائها ألطاف عديدة . وذلك أن وزير الأمير قام عليّ في ذلك بحس القاضي ، وبنى على كلامهم ، فلما خفت كثرة الأعداء واشتغالهم بي وتطلبهم عثراتي ، شكوت ذلك إلى شيخ الخدام عز الدين رحمه اللّه ، وسألته الجلوس في المسجد والمبيت فيه حتى يحضر الأمير من البادية ، وكان على مسيرة أيام من المدينة ، فجلست في المسجد مع أخي محمد رحمه اللّه ليلا ونهارا ، وخرج أخي عليّ رحمه اللّه خفية ، وركب راحلة توجه إلى الأمير في هذا الأمر ، وكان له عليه دليّة وصحبة أكيدة ، ومحاسنة وملايمة ، فأقمت في المسجد عشرة أيام بلياليها ، بين قيام وصيام واعتكاف حصل لي بذلك خير كثير ، فكنت في ليلة أصلي عند أسطوانة التوبة ، وهي التي في آخر صف الروضة الملاصقة للشباك اليوم ، على ما ذكره عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ، وتبعه مالك بن أنس رحمة اللّه عليه ، وما قيل فيها غير ذلك فغلط ، أوجبه أشياء يطول ذكرها ، فلحقتني سنة وأنا ساجد عندها ، فرأيت شخصا قد خرج ربع القامة ، حسن الوجه والهيئة ، مليح الثياب فمرّ عليّ ، وقال : قم قضيت الحاجة . فاستيقظت فلم أر أحدا ، فلم يكن إلا قليل إذ جاء أخي بمرسوم الأمير أن لا يتعرض لي أحد ، حتى يقدم إلى المدينة ، فلما قدم بعد مدة اجتمعت به ، فقال : لئن لم تأتني على ما قلت بشهود ، وإلا فالذي يقال عنك صحيح .