ابن فرحون

76

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

وكان إذا جاء أحد وشكى إليه من ضرر أو مرض ، قال له : قل : يا أول الأولين ، ويا آخر الآخرين ، ويا ذا القوة المتين ، ويا راحم المساكين ، ويا أرحم الراحمين سخّر لي كذا ، أو اصرف عنّي كذا ، فإن جاءه يشكو من فاقة وقلة ، قال له : قل : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ( فاطر : 2 « 1 » . ومما جرى من أحواله أن المدينة حوصرت أياما ، واشتد حال الناس من التضييق عليهم والخوف من عدوهم ، ومع ذلك لا يدري ما الناس فيه فاختفوا في بيوتهم ، فلقيه شخص من الهاربين من أرباب الدولة والشيخ قد توضأ ، وخرج إلى المسجد فقال له : يا سيدي أين تريد ؟ قال : المسجد ، قال : المدينة دخلت وأبواب المسجد غلّقت ، لا يدخله أحد . قال : أي شيء تقول ؟ فأعاد عليه ، قال : ومن هم هؤلاء المساكين الذي أخافوا المدينة وأهلها ، ويريدون أن يمنعونا من صلاة الصبح في جماعة ؟ ثم مضى إلى المسجد فعلم بمكانه ففتح له ، ودخل وصلّى ما كأن شيئا جرى ، فكان ذلك الشخص يحكي هذه الحكاية ، ويعجب الناس بها « 2 » . ولقد أخبرني بعد وفاة والدي وكان يقرأ على والدي العربية ، ويقطع الكتاب من أوله إلى آخره ، ثم يعيده مرة أخرى لطلب المؤانسة معنا ، والمحبة في والدي فبشرني بأنني أكون في مقامه ، وأتولى ثلاث ولا يأت في ذلك العام فكان كذلك ، جاءني موسم بالتدريس في المدرسة الشهابية ، وجاءني تدريس درس القاضي فخر الدين ناظر الجيش ، وجاءني تدريس من المغرب ، أقامني

--> ( 1 ) أورده السخاوي بنصه نقلا عن المؤلف . ( 2 ) نقله السخاوي بنصه عن ابن فرحون .