ابن فرحون
46
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
ولقد شاهدت منذ زمان كان الناس فيه ناس ، يعطي الزائر فوق الصاع من التمر البرني ، حتى إن العصبة إذا أخذوا التمر يكومونه على أنطاعهم كوما ، يتعسل بعضه فوق بعض ، ومع ذلك يبقى التمر السنتين والثلاث حتى يسودّ ، ولا يجدون من يأخذه . ولقد كنت في حال صغري ، إذا رآني خزنة التمر ينظرون من يحمل لي منه ، فيذهب به إلى بيتنا ، حتى أنكر ذلك والدي ووالدتي ، فهددني والدي ، وقال : لئن رجعت تأتي إلينا من تمر الفقراء بشيء ، فعلنا بك وفعلنا ، وكان لا بد لي من المرور عليهم ؛ لأن التمر كان يخزن في دار الخدام المجاورة للتربة التي عمرتها زوجة ابن علم ، وفي المدرسة الشهابية ، ولمّا لم يكن بدّ أنهم يعطوني ، ترصّد لي حمّال يقال له : ناشي ، يأخذ ما يعطوني . فأقول له من خوف أهلي : خذه ولا تأتيهم به ، فيأخذه ، فعل معي ذلك مرارا ، كل ذلك منهم ؛ محبة في أولاد المجاورين ورفقا بأهاليهم . وكان النخل من الغابة والعمرية إذا استجد ، لا يخلص منه في شهر ليلا ونهارا . ولقد رأيت الحمّالين يضعون أحمالهم من باب رباط الفاضل ، إلى باب التربة التي نزلها الشيخ افتخار الدين ، ومن رباط دكالة أيضا إليه إذا جاءوا مع المغرب ، لا يفرغون عن حمله وتفريغ غرائره إلا قريب الصبح ، هذا كله من التمر البرني ، وأما ألوان النخيل فلم تكن في حساب ، فأين تلك البركات ذهبت ؟ ! واللّه مع نيات القوم ، واللّه المستعان .