ابن فرحون

44

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

فقال لهم الشيخ : لم يصب رأيكم ، رجل صحبته في اللّه ، وأقرأني القرآن ، أغرمه شيئا أفسده عبيدي ولم يتدنس منه بشيء ، معاذ اللّه من ذلك ، وأبرأ ذمته ، ولم يزل له صديقا إلى أن فرق الموت بينهما رحمهما اللّه تعالى . وله بالحرم الشريف آثار حسنة ، وكان فيه من الشدة في الدين على الأشراف ما كان في ظهير الدين وزيادة ، مع الانقياد إلى الشرع والموافقة على الخير ، وكان حين ولايته في القاهرة سعى في المشيخة صفي الدين جوهر خادم اللالا فأعطيها ، وكان بينه وبين جمال الدين المطري شيء ألقاه بينهما بعض الناس ، فلما شاع في المدينة خبر ولايته ، تسلط أهل الشرع على جمال الدين ، وشغبوا عليه بكثرة القال والقيل وتوعّدوه ، وكانوا عصبة شر عفا اللّه عنا وعنهم ، فلحقه من كلامهم هم وغم . وقال لي - رحمه اللّه : رأيت ليلة في منامي ، وقد همني ما أسمع منهم من الأذى ، كأن باب جبريل حول إلى باب الرحمة ، وأنا أقول : كيف يزال باب ثابت إلى غيره ، ويبقى هذا الباب ما له باب ؟ فلم يكن إلا قليل ، إذ جاء الخبر بأنهم رجعوا عن خادم اللالا ، وولوا عز الدين . وكان عز الدين في باب الرحمة كما هو اليوم ، وبيت جوهر اللالا كما هو اليوم مجاور رباط صفي الدين السّلامي - رحمه اللّه - فتفسر المنام ، فزال عن جمال الدين ما كان يجد ، ورجع كل من أهل الشر إلى ورائه ، وكان بين عز الدين دينار وبين جمال الدين من الاتحاد والمحبة ، وسماع الكلمة ، مثل ما كان بينه وبين ناصر الدين نصر عطا اللّه وأكثر ، وكان الشيخ عز الدين رحمه اللّه لأولاد المجاورين كالأب الشفيق ، إذا رأى أحدهم سأله عن حاله وحال أهل بيته وأولاده . يقول : كيف أولادنا ؟ كيف إخواننا ؟ ويقضي الحوائج