ابن فرحون
34
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
ولم يزل على خلق عظيم ، ولم ير « 1 » مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له ، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، ولم ير قط مادّا رجليه بين أصحابه حتى لا يضيّق بهما على أحد « 2 » ، حتى إنه يوما أراد أن يمد رجله لتعب لحقه ، فتلطف إلى جلسائه ، فمد رجله الكريمة . وقال لهم صلى اللّه عليه وسلم : « ما تشبه هذه » ؟ . فدارت أذهانهم إلى وجوه المشابهة ، فلما أعيوا وقد استراح ، مد الأخرى وقال : « هذه » يعني صلى اللّه عليه وسلم أنه لا يشبهها إلا الأخرى ، فحصل مقصوده مع بقاء حسن الأدب معهم صلى اللّه عليه وسلم . وكان صلى اللّه عليه وسلم يكرم من يدخل عليه ، وربما بسط له ثوبه ، ويؤثره بالوسادة ( التي تحته ، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ، ويكنّي أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوّز ، فيقطعه بنهي أو قيام ، ويروى : بانتهاء « 3 » . ويروى : أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته ، وسأله عن حاجته ، فإذا فرغ عاد إلى صلاته ، وكان أكثر الناس تبسما ، وأطيبهم نفسا ، ما لم ينزل عليه قرآن ، أو يعظ ، أو يخطب « 4 » . وكان صلى اللّه عليه وسلم يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم
--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( يرى ) . ( 2 ) الشفاء 1 / 82 . ( 3 ) الشفاء 1 / 82 ، وما بين حاصرتين منه . ( 4 ) الشفاء 1 / 82 .