ابن فرحون

331

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

وكان هذا الشيخ سراج الدين الدمنهوري من العلماء الأستاذين الذين انفردوا في زمانهم عن أقرانهم بعلوم جمة ، كالقراءات والعربية واللغة ، مع الفقه الغزير ، والمشاركة في كثير من العلوم ، ولكن كان في تلك العلوم في أعلى درجاتهم من الحفظ والذكر . عرضت عليه شرحي وإعرابي ( لبانت سعاد ) المسمى ( بشفاء الفؤاد من بانت سعاد ) ، فوجدته في مذاكرتي له بحرا زاخرا ، وكان أخي علي أحيانا يأتيه فيتعجب من حفظه وذكره ويقول لي : قلّ إن رأيت مثله . توفي رحمه اللّه في ثاني شهر ربيع الأول في سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة . وكان لأخي ميعاد وعظ يقرأ في كلّ جمعة بعد الصلاة على كرسي عال بالروضة المشرفة بصوت حسن وأداء حسن ، لا يمل السامع من قراءته بل يتلذذ بإطالته ، وكان وعظه من كلام ابن الجوزي في ( التبصرة ) ، فكان بعض الناس يقول : عاش ابن الجوزي للناس . وكان هو رحمه اللّه « 1 » أول من اتعظ بقوله وانتفع بوعظه ، فصار يلازم الصيام ويسرده ويقوم من الليل أكثره ، ورقّت نفسه ودرّت دمعته كأنه ( علم ) « 2 » بقرب « 3 » الأجل ، فبادر للعمل ، كان رحمه اللّه يقول : واللّه ندمت « 4 » على ما أفنيت فيه عمري من الاشتغال بعلم الأدب ، يا ليته كان في الكتاب والسّنّة .

--> ( 1 ) ( وكان رحمه اللّه هو ) رواية المطبوع ، والمثبت رواية الأصل . ( 2 ) ساقط من المطبوع وهو في الأصل والتحفة . ( 3 ) في المطبوع : ( يقرب ) بالياء ، والمثبت من الأصل والتحفة . ( 4 ) تحرف في المطبوع إلى ( واللّه ما ندمت ) وصواب القراءة من النص ومثله في التحفة للسخاوي وهو ينقل عن المصنف .