ابن فرحون

328

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

وحكي لي أنه اتفق له معه قضية ، قال لي رحمه اللّه : كنت إذا صليت صلاة الصبح أجلس في مصلاي حتى تطلع الشمس وأصلي الضحى وأنصرف ، وكان يومئذ في الروضة المباركة جماعة من الأشياخ المباركين ، قال : وكنت أرتقب بصلاتي ارتفاع الشمس ، وأرى الناس ينتظرون الشيخ أبا عبد اللّه ويقومون لقيامه ، وكان يقوم إذا وصلت الشمس في الحائط الغربي إلى تحت الشبابيك الصغار . قال : فقلت : لا أقدر أقول للجماعة كلها : أخّروا صلاتكم حتى ترتفع الشمس ، ولكن أجتمع بهذا الشيخ الذي يؤمّهم في هذا الوقت ، قال : فاجتمعت به وكنت به جاهلا فقلت له : رأيتك تقوم لصلاة الضحى قبل وقتها ، وقد نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عنها حتى ترتفع الشمس وتبيض ، وهذا وقت تكره فيه الصلاة ، وكثرت عليه من الأدلة ، وأنا في اجتهاد وحدة حتى فرغ ما عندي ، فالتفت إليّ ، وقال : بعد اليوم نؤخّر كما قلت ، وسكت عني ، واشتغل بما كان فيه ، فانصرفت عنه وسألت عنه ، فقيل لي : هذا الشيخ أبو عبد اللّه بن فرحون ، فندمت وقلت : أيّ حاجة دعتني إلى التعرض لهذا الشيخ ، قال : فرحت إليه واعتذرت فتبسم وقال : ما قلت إلا خيرا . فأنا أدعو له كلما ذكرته . قال الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن الغرناطي ، كنت جالسا في المسجد الشريف مع الشيخ أبي القاسم القبتوري وقد تقدم ذكرهما ، فقال لي يا محمد رأيت قط الكبريت الأحمر الذي لا يتغير أبدا ولا يتحوّل ؟ فقلت له : لا ، فقال : انظر إلى عبد اللّه بن فرحون منذ دخل المدينة لم يتغير حاله . قلت : كان رحمه اللّه قد ترك الاشتغال بنا ، فكنا نغيب فلا يسأل عنّا ، ونمرض فلا يهمّه مرضنا ، بل يسأل اللّه لنا ويدعو لنا ، فنحن نتقلب في بركته