ابن فرحون
318
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
وكانت ولايته ثمانية أشهر وعشرة أيام ، وقتل شهيدا في اليوم الحادي والعشرين من شهر ذي القعدة من السنة المذكورة ، قتله فداويان قدما مع الركب الشامي لذلك ، وقتل وهو في أعز ما يكون وأنصاره بين يديه واقفون « 1 » . وذلك لما قدم الركب الشامي خرج لتلقي المحمل السلطاني على عادة من تقدمه من الأمراء ، فلما وصل إلى المحمل ترجل عن فرسه وأظهر الطاعة للسلطان ، وفرش له بساط ، وأخرجت الخلعة السلطانية فلبسها وأعطي العمامة ، فاشتغل بلفها ، فخرج عليه رجلان أشقران خبيثان فضرباه بخنجرين ، فأنفذا مقاتله واختفيا من حينهما ، فلم يعلم لهما خبر . وظن آل منصور أن الأمر أشد من ذلك ، وأن الأمر غير قاصر ، فلم يتعرض له أحد غير أنه نهبت جميلات يسيرات من أطراف الحاج ، فلما تراجع آل منصور هموا بإقامة فتنة ، وسفك دماء وما لا خير فيه ، فعصم اللّه الناس من ذلك بالأمير : [ « 252 » هبة بن جماز بن منصور ] ، فظهر منه يومئذ من الاحتساب في مصيبته ، والصبر على رزيته ، ما يعجز عنه الأئمة الأعلام ، فأمّن الناس وطيّب قلوبهم ، ونادى فيهم بالأمان ، فاطمأن الحاج وجرى على عادته في البيع والشراء ، جزاه اللّه خيرا ، وساعده على ذلك عمه الأمير زيان بن منصور المتحلي بحسن الأخلاق ، والشيم ، والصيانة ، والشجاعة ، والكرم . ولما وقع بالأمير جماز ما وقع اجتمع الناس على الأمير هبة بن جماز وسألوه أن يقبل الولاية فامتنع وقال : أنا أجلس في القلعة لحفظ المدينة وأهلها ، وحفظ الأحواج ،
--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى ( رافعون ) وصوابه من قراءة الأصل . ( 252 ) من مصادر ترجمته التحفة اللطيفة 1 / 95 .