ابن فرحون
27
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
وما أشين البدعة في مثل هذه الحضرة التي عرض على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم تزيينها ورفع جذوعها ، فقال : « بل عريش كعريش أخي موسى » . أما ما فعل من ذلك لضرورة أو لعذر ما ، فيكاد أن يغتفر منه شيء ما وجد مبتدعه لبدعته عذرا إن خفف من ذلك قدرا ، وإنما الميزان القويم ، والقسطاس المستقيم ، في اتباع هذا النبي الكريم ، فالناس اليوم في جانب عن سنته واتباع ملّته وطريقته ، وما أحق المجاورين له بالأدب معه ، والسؤال عن أحواله وأقواله فيتبعونها ، خصوصا قومة مسجده الشريف ، وخدّامه ، ويعلمون أن من خدمته صلى اللّه عليه وسلم تعظيم العلم وأهله ورفع منزلتهم والقيام بحقهم ، والتغافل عن زللهم والشفقة على ضعيفهم ؛ لأن منزلتهم من النبي صلى اللّه عليه وسلم رفيعة ، ونسبتهم إليه عظيمة ، إذ جعلهم الوارثين له ، ولا ميراث لهم إلا ما حملوه من سنته وشريعته . وفي الحديث أن أبا هريرة - رضي اللّه عنه - دخل السوق فقال لأهله : أراكم ههنا وميراث رسول اللّه يقسم في المسجد ؟ ! فذهب الناس إلى المسجد وتركوا السوق فلم يروا شيئا ، فقالوا : يا أبا هريرة : ما رأينا ميراثا يقسم ، قال : فما رأيتم ؟ قالوا : رأينا قوما يذكرون اللّه - عزّ وجلّ - ويقرءون القرآن ، وينشرون العلم ، فقال : ذلك ميراث محمد صلى اللّه عليه وسلم . فواجب إذن تعظيمهم وتوقيرهم ، وما أحق من إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم انتمى بهذا المعنى ؛ فإن سر المخدوم يسري إلى خادمه فيتأدب بآدابه ، ويشكر اللّه تعالى إذ جعله على بابه ومن حجابه ، وأن أهله لنسبة الخدمة ، وكفى بها من نسبة ، فيقال : خادم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ويمثل نفسه الغوية بين يديه صلى اللّه عليه وسلم فيرضى لها من الأدب ما يعلم أنه يرضاه لو رآه ، وأين القلب الصافي والعقل الوافي ، الذي ينظر الأولياء بهما في هذه المعاني .