ابن فرحون

297

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

إياها ، ولما فتح القدس جمع « 1 » ما حصل له من الأموال وفرقها « 2 » على الأمراء وحبا بها الفقهاء ، والعلماء والزهاد ، ولم يرحل من القدس ومعه شيء لنفسه ، وكان الذي أنفقه يقارب مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار ، ثم جاءه وفود ولم يبق معه درهم واحد ، فباع فرسه من بيت المال وفرق ثمنها عليهم ، وكرمه أظهر من أن يسطر ، ومع ذلك فما سمع يقول : أعطينا فلانا « 3 » كذا ، وما منعه من الحج إلا اشتغاله بالجهاد ، وضيق ما في يده مع المملكة الواسعة ؛ لكنه كان قد أسقط جميع المكوس والأعشار من البلدان . وكان رحمه اللّه حسن العقيدة ، قد أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع المشايخ أهل العلم ، وكان يقرئ تلك العقيدة أولاده الصغار ويقرءونها عليه من حفظهم ، وكان شديد المواظبة على الجماعة ، وإذا مرض طلب الإمام إلى عنده حتى تحصل له فضيلة صلاة الجماعة ، وكان يتكلف الصلاة قائما في مرض موته رحمه اللّه . وكان شديد الرغبة في سماع الحديث ، وسماع القراءات ممن له صوت حسن ، وكان كثير التعظيم لشعائر الدين مبغضا لجميع الوظائف المبتدعة ، وكان حسن الظن باللّه كثير الاعتماد عليه ، وكان معظما للشرع منقادا لأوامره ، وقد جرى له في المحاكمات نحو « 4 » ما جرى للملك العادل رحمهما اللّه تعالى . وكان من أعظم الشجعان قوي النفس ، شديد البأس على الكفار ، عظيم

--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( جميع ) وصوابه من الأصل . ( 2 ) في المطبوع : ( فرقها ) . ( 3 ) تحرف في المطبوع إلى : ( فلان ) . ( 4 ) في المطبوع : ( وقد جرى من المحاكمة نحو ) والمثبت من الأصل .