ابن فرحون

21

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

[ كلام المولف حول ما أحدث من تقطيع الصفوف وتقديم من هو أهل للتقديم ] فمن ذلك : ما أحدث في الصفوف من التقطيع ، وتقديم من هو أهل للتأخير ، وتأخير من هو أهل للتقديم ، وتأديب من صلى وحده مع القدرة على الدخول في الصف . قال ابن حبيب ( من علمائنا ) : أدركت بالمدينة رجالا موكّلين بالصفوف ، فإذا رأوا رجلا يصلي خلف الصف وحده وفي الصف له مدخل ، تركوه حتى يفرغ من صلاته ، ثم ذهبوا به إلى الحبس ، ومذهب أحمد بن حنبل بطلان الصلاة ، ولقد رأيت عن يمين الإمام وشماله أهل الصناعات الدنية ، كالدباغ والحداد والجزار ، ومن اشتهر منهم بقلة الدين ، وذلك يتكرر منهم كثيرا ، ويليه أيضا من جهة الفقراء من لا يفهم صلاته ، ولا يعقل ما وجب عليه منها وفيها ، ويترك الفقهاء والقراء في أطراف الصفوف ، وخلف تلك الجلوف . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « ليليني منكم أولو الأحلام والنهى » . قال القاضي أبو بكر بن العربي : ينبغي أن لا يصلي خلف الإمام إلا من يصلح للاستخلاف ، لما يتوقع من حاجة الإمام إلى من يستخلفه ، أو يرد عليه ، أو يصلح صلاته . قال : ولو سبقه من ليس هو كذلك أقيل ، وقدم إلى الإمام من هو أحق . وأغرب من هذا كله أنه يأتي عاميّ أو جاهل إلى مكان عالم أو فقيه له يصلي فيه نحو العشرين سنة - أو أكثر منها - فيجلس فيه ، فإذا قيل له : هذا موضع فلان ، يقول : ليس في المسجد موضع لأحد ، وأنا وهو في ذلك سواء ، أين هذا المتعرض للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذه المنكرات الخفيات ؟ !