ابن فرحون

13

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

وعن مالك - رحمه اللّه - أنه كان يقول : إذا ارتسم موضع من المسجد برجل فهو أحق به ، وعلى هذا أكثر العلماء . قال صاحب " الإقليد " : ومما يدل على ذلك العامود المخلّق الآن في المسجد النبوي ، وعنده كان جلوس النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن كان له موضع من المسجد معلوم يجوز أن يخرق الصفوف إليه إذا تأخر . ونقل القاضي عياض في " المدارك " أن سحنون إمام المالكية في زمانه لما ولي القضاء ، وكثر عليه الناس ، أمر ببناء بيت في المسجد لنفسه يحكم فيه ، فكان لا يحضر عنده إلا الخصمين ، ومن يشهد بينهما . وقال في " الإكمال " عند قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا قام أحدكم من المسجد ، ثم رجع إليه فهو أحق به إذا قام لحاجة » : اختلف في معناه . فقال محمد بن مسلمة : يحمل الحديث على مجلس العالم إذا قام لحاجته ، فهو أحق به ، واختلف فيمن رسم من العلماء والقراء موضعا من المسجد للتدريس والفتيا . فحكي عن مالك - رحمة اللّه عليه - : أنه أحق به إذا عرف به . قلت : وما يقوي ذلك ما كان في زمانه صلى اللّه عليه وسلم ، من أمر الصّفّة وأهلها ، واختصاصهم بها ، وكانت في أواخر المسجد . ومما يرسخ هذا وضع أزواجه صلى اللّه عليه وسلم - رضي اللّه عنهن - أخبيتهن بالمسجد حين أردن الاعتكاف ، ولم ينكر عليهن صلى اللّه عليه وسلم وضعها ، وإنما خشي عليهن الغيرة التي بينهن من الحرص على القرب منه ، فلا تسلم لهن نية الاعتكاف .