ابن فرحون
123
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
ولا نهارا ، كان يقف في أواخر المسجد إلى أسطوان من الصبح إلى الظهر ، ومن الظهر إلى العصر ، لا يقطع ذلك إلا بالصلوات الفرائض في الروضة الشريفة ، وذلك مع شيخوخته وكبر سنّه ، فإذا جنّ عليه اللّيل حنّ إليه كما تحنّ الوالدة إلى ولدها . وكان له إيثار عظيم بالدنيا ، وكان قرابته مع السلّاميين يبعثون إليه بالأموال الكثيرة ؛ ليفرقها على مصارفها ويزيد عليها من ماله ، لم يكن للدنيا في عينه بهجة ، وله في الإيثار بها غرائب كان يحكيها عنه عز الدين دينار شيخ الخدام ، فإنه كان يصحبه ويعتقده ، ومثله يعتقد . أعتق خداما ومماليك ، وبني له رباطان أحدهما مجاور للميضأة موقوف على الرجال والنساء ، والآخر موقوف على الرجال ، واشترى الدار التي كان يسكنها وهي في ظهر رباطه الموقوف على الرجال ، وكان الرباط حوشا لهذه الدار ، فأفرده للرجال وسد الباب الذي بينهما وهو بيّن إلى الآن ، وأوقف الدار المذكورة على الفقراء والمجردين إن لم يكن سلّاميون ، فإن كان منهم في المدينة سكنها وهو أولى من غيره ، فإن سافر أو مات رجعت إلى الفقراء المجردين حكمها حكم الرباط ومجاور لها . ووقفت على ورقة الوقفية ورأيت فيها من الشروط ما ذكرت ، وإنما ذكرت ذلك وإن لم يكن مما نحن فيه ؛ لأن بعض الناس وضع يده على هذه الدار ، وسكن فيها نحو عشرين سنة منفردا بشبهة أنه عتيق لعتقاء الواقف ، فظهر كتاب الوقف في هذه السنة وهي سنة سبع وستين وسبعمائة ، فانتزعت الدار من يده وأعيدت إلى شرط الواقف . توفّي صفي الدين - رحمه اللّه - بالمدينة النبوية ودفن بالبقيع إلى جنب قبة