ابن فرحون

101

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

من الدنيا وكانت له خزانة عظيمة مشتملة على كتب حفيلة ، مثل : ( الرافعي ) و ( ابن الرفعة ) ، و ( الروضة ) ، وغير ذلك من الكتب المنتقاة ، أوقفها كلها وجعل مقرها بالمدرسة في خزانتها ، وكانت أمام بيته الذي هو في الزاوية الملاصقة لإيوان الشافعية ، وكان يظن أن المدرسة تكون أبدا على حالها في أيامه ، فشرط أن لا تغير الخزانة من موضعها ولو رأى حالها اليوم ما قيدها بهذا الشرط . ولما خيف عليها أمر القاضي بحملها ووضعها في خزانة الكتب اليوم ، وهو البيت الذي على باب المدرسة أصلح اللّه أمرها ، وردّ إليها حالها . وكان الشيخ محيي الدين نائبا في الحكم عن القاضي سراج الدين لما سافر إلى مصر ، فحكم وعدل ، ودرّس فما قصّر ، وكان والدي - رحمه اللّه - يحضر درس السّرّاج ، فلما سافر السّرّاج ، قال محيي الدين الحوراني : لا يحل لي ولا لك أن تحضر معي وأنت قادر على القيام بشرط الواقف في تدريس جماعتك والانفراد بهم في إيوانهم . فتوقف والدي خوف فتنة السّرّاج ، ولما يعلم من خلقه وكراهيته لهذا الأمر ، فعزم محيي الدين على والدي وشدّد عليه ، فجلس والدي في إيواننا اليوم ، وهو الإيوان الذي فيه الشباك ودرّس ، والتفّت عليه الطائفة المالكية وبعض الشافعية ، وكان طلبة المالكية أكثر من طلبة الشافعية ، فلما جاء السّرّاج من البلاد عزّ عليه ما وقع وأنّب الحوراني وهجره وسفّه رأيه . وقال له : فتحت عليّ بابا كنت قد سددته ، وحسمت مادته ، واللّه لا تركته حتى أغلب عليه . ثم إنه اجتمع بوالدي وألان له الكلام وأضمر له الخداع .