قطب الدين الحنفي
93
تاريخ المدينة
ثم قال رحمه اللّه تعالى : واعلم أن المسجد الشريف في دار بنى غنم بن مالك بن النجار وكان مريدا للتمر لسهل وسهيل ابني رافع بن عمرو بن مالك بن النجار وكانا غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فدعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا : بل نهبه لك يا رسول اللّه فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاع منهما وبناه . وقيل لم يأخذا له ثمنا وقيل اشتراه من بنى عفراء بعشرة دنانير ذهبا ودفعها عنه أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه وكانت دار بنى النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها ، وبنو النجار أخوال عبد المطلب بن هاشم جد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والنجارهم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج وهم بطون كثيرة سمى بالنجار لأنه اختتن بالقدوم وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « خير دور الأنصار دور بنى النجار » . وعن أنس رضى اللّه تعالى عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( ق 84 ) لما أخذ المربد من بنى النجار وكان فيه نخل وقبور المشركين وخرب فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالنخل فقطع وبقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت ، قال صفوا النخل قبلة له واجعلوا عضادتيه حجارة ، وطفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه وبنى صلّى اللّه عليه وسلم مسجده مربعا وجعل قبلته إلى بيت المقدس وطوله سبعون ذراعا في عرض شبرا وأزيد وجعل له ثلاثة أبواب ، وجعلوا ساريتى المسجد من الحجارة وبنوا باقيه باللبن . وفي الصحيحين كان جدار المسجد كادت الشاة تجوزه . وقالت عائشة رضى اللّه تعالى عنها : كان طول جدار المسجد بسطة وكان عرض الحائط لبنة لبنة ثم إن المسلمين كثروا فبنوه لبنة ونصفا ثم قالوا : يا رسول اللّه لو أمرت بالمسجد فظلل قال : نعم ، فأقيم له سواري من جذوع النخل شقة شقة ثم طرحت عليها العوارض والحصف والأجر وجعل وسط رحبة فأصابتهم الأمطار فجعل المسجد يكف بهم فقالوا : يا رسول اللّه لو أمرت بالمسجد فظلل فقام لهم ( ق 85 ) عريش كعريش موسى تمام وخشيبات نعم فنعمل والأمر أعجل من ذلك فلم يزل كذلك حتى قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويقال إن عريش موسى عليه السلام كان إذا قام به أصاب رأسه السقف .