محمد بن عمر الطيب بافقيه

173

تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر

ذلك ، وكان فقراؤه بعد أن علموا منه ذلك يبادرون بكتب ما وجده من نظمه على الجدارات فيجمعونه بعضه إلى بعض وحكي : أن بعض المنشدين أنشد بين يديه قصيدة من نظمه فطرب لها وتمايل عليها ، ثم سأل عن قائلها ، فقيل إنها من نظمك فأنكر ذلك ، وقال : حاشا ، ما قلت شيئا مرتين ، وكان نفع اللّه به مولعا بشرب القهوة ليلا ونهارا ، وكان يطبخها بيده ، وكان لا يزال قدرها بين يديه وقد يجعل رجله تحتها في النار مكان الحطب ، وكان كل ما يأتي إليه من النّذر ونحوه ، إن كان من المأكولات طرحه فيها ، أو من غيره أوقد به تحتها كائنا ما كان من ثوب نفيس أو عود أو غير ذلك وقيل : أن السلطان عامر بن عبد الوهاب بعث إليه بخلعة نفيسة فألقاها تحتها فاحترقت ، فبلغ ذلك السلطان ، فغضب وأرسل يطلبها منه فأدخل يده في النار وأخرجها كما كانت ، ودفعها إليهم ، وبالجملة فإنه كان آية من آيات اللّه وأقواله تدلّ على حاله في المحبة ، ومقامه في المعرفة ، وكذا تدل على تفننه في العلوم الظاهرة مثل النحو والبديع والمعاني وغير ذلك ، وعلى اطلاعه على الأخبار السالفة والأمثال السائرة ، حتى كأنما جميع العلوم والمعاني كانت ممثلة بين عينيه يختار منها الذي يريد ، وعلى نظمه قبول عجيب ، وفيه تأثير غريب ، فإنه السهل الممتنع ، يفهمه كل أحد من سهولته وسلاسته ، مع متانة عبارته ويتأثّر به الناس غالبا ويكثر عليه وجد الواجدين ، ويقال له فارضي اليمن ، فهو في رقته يشبه كلام التلمساني وأبن الفارض ، وما أحسن قوله نفع اللّه به « 1 » : قالت سعاد وقد رأت دمعي جرى * صدق المحدث فالحديث كما جرى فدهشت من فرحي وقلت نعم نعم * ما كان حبكم حديثا يفترى لي في هواكم صرفه وعتيقه * حاشاي من درديه « 2 » أن أسكرا باللّه يا حادي النياق لحيهم * فالصّيد كل الصيد في جوف الفرا

--> ( 1 ) ديوان السودي : 181 ط دار الفكر . ( 2 ) النور السافر : وردية . والدردي : الكدر الراسب في أسفله .