ابن القلانسي
533
تاريخ دمشق
وما سمحت لغير علاه نفسي * على ضني به عن كل فدم فلا زالت مطايا المدح تسري * إليه وقد خلا من كل ذمّ مدى الأيام ما هتفت هتوف * على غصن بغض النور ينمي قد تقدم من ذكر الملك العادل نور الدين في نهوضه من دمشق في عساكره إلى بلاد الشام ، عند انتهاء الخبر إليه ، بتجمع أحزاب الأفرنج خذلهم اللّه ، وقصدهم لها ، وطمعهم فيها ، بحكم ما حدث من الزلازل والرجفات المتتابعة بها ، وما هدمت من الحصون والقلاع والمنازل في أعمالها وثغورها ، لحمايتها ، والذب عنها ، وإيناس من سلم من أهل حمص وشيزر ، وكفرطاب ، وحماة وغيرها ، بحيث اجتمع إليه الخلق الكثير ، والجم الغفير ، من رجال المعاقل والأعمال ، والتركمان ، وخيم بهم بإزاء جمع الأفرنج في الأعداد الدثرة ، والتناهي في الكثرة بالقرب من أنطاكية ، وحصرهم بحيث لم يقدر فارس منهم على الإقدام على الإفساد . فلما مضت أيام من شهر رمضان من سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة عرض للملك العادل نور الدين ابتداء مرض حاد ، فلما اشتد به ، وخاف منه على نفسه ، استدعى أخاه نصرة الدين أمير ميران ، وأسد الدين شيركوه ، وأعيان الأمراء ، والمقدمين ، وأوصى إليهم ما اقتضاه رأيه واستصوبه ، وقرر معهم كون أخيه نصرة الدين القائم في منصبه من بعده ، والساد لثلمة فقده لإشتهاره بالشهامة وشدة البأس ، ويكون مقيما بحلب ، ويكون أسد الدين في دمشق في نيابة ( 190 و ) « 1 » نصرة الدين ، واستحلفت الجماعة على هذه القاعدة ، فلما تقررت هذه القاعدة ، اشتد به المرض ، فتوجه في المحفة إلى حلب ، وحصل في قلعتها ، وتوجه أسد الدين إلى دمشق لحفظ أعمالها من
--> ( 1 ) زيد ما بين الحاصرتين من الروضتين : 1 / 114 .