ابن القلانسي
451
تاريخ دمشق
وكان معين الدين قد حصل آلات الحرب والمنجنيقات ، وجمع من أمكنه جمعه من الخيل والرجل ، وتوجه إلى ناحية صرخد وبصرى بعد أن أخفى عزيمته ، وستر نيته استظهارا لبلوغ طلبه ، وتسهيل أربه ( 157 و ) ونزل غفلة على صرخد ، وكان المعروف بها بالتونتاش غلام أمين الدولة كمشتكين الأتابكي ، الذي كان واليها أولا ، وكانت نفسه قد حدثته بجهله ، أنه يقاوم من يكون مستوليا على مدينة دمشق ، وأن الإفرنج يعينونه على مراده وما يلتمسه من إنجاده وإسعاده ، ويكونون معه على ما نواه من عيثه وإفساده ، وكان قد خرج للأمر المقضي من حصن صرخد إلى ناحية الأفرنج للاستنصار بهم ، وتقرير أحوال الفساد معهم ، ولم يعلم أن اللّه لا يصلح عمل المفسدين ، ولم يشعر بما نواه معين الدين من إرهاقه بالمعاجلة ، وعكس آماله بالمنازلة فحال بينه وبين العود إلى أحد الحصنين المذكورين ، ولم تزل المحاربة بين من في صرخد والمنازلين متصلة ، والنقوب مستعملة ، والمراسلات مترددة ، والتهديد ، إن لم يجب إلى المطلوب ، ومعين الدين لا يعدل عن المغالطة والمدافعة ، وكان قد عرف تجمعهم وتأهبهم للنهوض إليه وإزعاجه وترحيله « 1 » عنها ، فأوجبت هذه الحال أن راسل نور الدين صاحب حلب يسأله الانجاد على الكفرة الأضداد بنفسه وعسكره ، فأجابه إلى ذلك ، وكان لاتفاق الصلاح مبرزا بظاهر حلب في عسكره ، فثنى إليه الأعنة ، وأغذ السير ، ووصل إلى دمشق في يوم الأربعاء السابع وعشرين من ذي الحجة من السنة ، وخيم بعين « 2 » شواقة ، وأقام أياما يسيرة ، وتوجه نحو صرخد ، ولم يشاهد أحسن من عسكره وهيئته وعدته ، ووفور عدته . واجتمع العسكران وأرسل من بصرخد اليهما يلتمس الأمان ، والمهلة أياما ، ويسلم المكان ، وكان ذلك منهم على سبيل المغالطة والمخاتلة ، إلى حين
--> ( 1 ) في الأصل « وترحيلهم » وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا . ( 2 ) لم أجدها في المصادر الجغرافية .