ابن القلانسي

387

تاريخ دمشق

من شمس الملوك التنكر عليه ، وظهر له فساد نيته فيه ، وبان ذلك له من ثقات يسكن إليهم ، ولا يشك فيهم ، وحمله الخوف من العاجلة له ، والايقاع « 1 » به ، فهم بالهروب إلى تدمر ، وترقب الفرصة في ذلك إلى أن اتفق لشمس الملوك في بعض الجهات خروج ، فخرج من البلد آخر النهار ، وسره مكتوم عن الخل والجار ، وقصد ضيعته لمشاهدتها ، ( 34 ظ ) وقد استصحب خواص أصحابه وغلمانه ، ثم تم على حاله مغذا في سيره ، مجدا في قصده إلى أن حصل بتدمر ، آمنا مما توقاه ، ظافرا بما رجاه ، وظهر خبره في غد ذلك اليوم ، فحين عرف شمس الملوك جلية حاله ، ضاق صدره لإفلاته من يده ، وتضاعف ندمه لفوات الأمر فيه ، وكاتبه بما يطيب نفسه ، ويؤنسه بعد استيحاشه ، فلم يصغ إلى ذلك ، بل أجابه جواب الخاضع ، والطائع ، والعبد الناصح ، والمستخدم المخلص ، ويقول : « إنني في هذا المكان خادم في حفظه ، والذب عنه » ، فلما وقع اليأس ، وعلم أن المقال لا ينجع ، حنق عليه ، وذكره بكل قبيح ، وأظهر ما يسره في نفسه ، ولم يعرض لشيء من ملكه وداره ، واقطاعه وأهله وأسبابه ، وتجدد بعد ذلك ما يذكر في موضعه ، وكان هروبه في ليلة الجمعة لليلة خلت من المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، من الضيعة الجارية في إقطاعه ، المعروفة بالمنيحة « 2 » من الغوطة . وفي هذه السنة شاعت الأخبار في دمشق بين خاصتها وعامتها ، عن صاحبها الأمير شمس الملوك أبي الفتح إسماعيل بن تاج الملوك بوري ابن ظهير الدين أتابك ، بتناهيه في ارتكاب القبائح المنكرات ، وايغاله في اكتساب المآثر المحظورات ، الدالة على فساد التصور والعقل ، وصداء الحس

--> ( 1 ) قيل بأن شمس الملوك اتهم يوسف بوالدته . زبدة الحلب : 2 / 256 . ( 2 ) لعلها القرية المعروفة الآن باسم « المليحة » في الغوطة الشرقية ، وتبعد عن دمشق مسافة / 12 كم / .