ابن القلانسي

296

تاريخ دمشق

وصل باقي الأفرنج أصحاب طنكري وابن صنجيل ، فلاموه على التسرع وفندوا رأيه ، ونصبوا ما كان سلم من خيامهم على طبرية ، وفي غد يوم الوقعة نهض فريق من عسكر الأتراك إلى ناحية طبرية ، وأشرفوا على الأفرنج بناحية طبرية وعزموا على النزول إليهم والإيقاع بهم ، فخافهم الإفرنج وأيقنوا بالهلاك وأقام الأتراك على الجبل عامة نهارهم ، وانكفأوا إلى معسكرهم ، وطلع الإفرنج إلى الجبل وتحصنوا به لصعوبة مرتقاه ، وهو من غربي طبرية ، والماء ممتنع على من يكون فيه ، فعزم المسلمون على الصعود إليه ومواقعتهم ، واستدعى أتابك العرب الطائيين والكلابيين « 1 » والخفاجيين ، فوصلوا في خلق كثير بالزادات والروايا والإبل لحمل الماء ، وصعدت الطلائع إلى الجبل من شماله ، وعرفوا أن هذا الجبل لا يمكن الحرب فيه لصعوبته على الفارس والراجل ، وعلم المسلمون أن الظفر قد لاحت دلائله وأماراته ، والعدو قد ذل وانخزل « 2 » وفل وانخذل ، وسرايا الاسلام قد بلغت في النهيض إلى أرض بيت المقدس ويافا وأخربت أعمالهم ودوختها ، واستاقت عواملها ومواشيها ، وغنمت ما وجدته فيها فانثنى الرأي عن الصعود ، ودامت الحال على هذه القضية إلى آخر صفر . وعقيب هذه النوبة ، وصل من حلب من عسكر الملك فخر الملوك رضوان مائة فارس على سبيل المعونة ، خلاف ما كان قرره ، وبذله فأنكر ظهير الدين أتابك وشرف الدين مودود ذلك منه ، وأبطلا العمل بما كانا عزما عليه من الميل إليه ، وإقامة الخطبة له ، وذلك في أول شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة ، وسيرا رسولا إلى السلطان غياث الدنيا والدين إلى مدينة أصفهان ، بالبشارة بهذا الفتح ، ومعه جماعة من أسارى الأفرنج ، ورؤوسهم وخيولهم وطوارقهم ، ومضاربهم ، وأنواع سلاحهم .

--> ( 1 ) كذا في الأصل وفي النفس شيء منه ، فكلاب ديارها في شمال الشام ، وكلب في الجنوب . ( 2 ) أي انقطع وانفرد . النهاية لابن الأثير .