ابن القلانسي
248
تاريخ دمشق
من نزل من الأكلة ، وعندهم الكفاف لمن بقي من العملة ، ففطنا لما عمدوا وعليه اعتمدوا ، وأمرنا في الحال بالقلعة المسلمة فنسفت نسفا ، وخسفت بها خسفا ، وصير سفلها علوا ، كما كان علوها خلوا ، ثم انتقمنا من المستخدمين الغادرين بالملك والدين ، حتى ساقهم الحين المتاح إلى حين . فلم يفلت منهم صاحب ولا مصحوب * إن الشقاء على الأشقين مصبوب ووافق ذلك حلول الموعد لنزول باقي القوم من دالان ، فأبوا إلا المطل والليان ، فلما مضت أيام على ذلك ، أظهروا التمرد والعصيان ، فصاروا كما قال اللّه تعالى « وَمِنَ ( 84 و ) يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 1 » فعند ذلك استخرنا باللّه تعالى تجريد العزائم لهذا الجهاد ، الذي هو عندنا من أنفس العزائم ، ولا نخاف فيها لومة لائم ، وأهبنا بمن حضرنا من العساكر المنصورة إلى الأحداق بالقلعة المذكورة يوم الثلاثاء ، ثاني ذي الحجة ، فنزلوا لفنائها محشدين ولصدق اللقاء متشمرين متجردين ، وجرت مناوشة عشية هذا اليوم أثخنت عدة من أولئك القوم ، وبات المسلمون ليلتهم تلك على أضم ، والملحدون لحما على وضم ، فلما تنفس الصبح وغردت الديوك الصدح ، وطوى الليل رداءه ، ورفع الفجر لواءه ، نصر اللّه الحق وأدال الدين ، « فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ » « 2 » ، وعدت جيوش النصر يدا واحدة ، وكلمة على التظافر والتظاهر مساعدة ، تسطو بالفئة المتحصنة بالقلعة ، سطوة الليث الهصور ، وكأنهم طاروا بأجنحة الصقور ، على صم الصخور ، فلم يلبثوا قبل ذرور الشمس بقرنها ، وأخذها الناصع من لونها ، أن أخذوا القلعة عنوة وقهرا ، وأجروا من دماء الباطنية الملحدة نهرا ، فلم يئل منهم وائل ،
--> ( 1 ) القرآن الكريم - المائدة : 41 . ( 2 ) القرآن الكريم - الصافات : 177 .