ابن القلانسي
مقدمة 18
تاريخ دمشق
يؤرخ مصنف ابن القلانسي لقرنين من الزمن هما من أهم القرون ، وبالنسبة لكثير من الأحداث هو المصدر المتفرد ، في هذين القرنين جرت أحداث الصراع القرمطي الفاطمي على الشام ، وأعقب ذلك الحكم الفاطمي للشام ، وكان حكما لم يعرف الاستقرار لأسباب داخلية فاطمية ، ولمقاومة أهل الشام لهذا الحكم ، وابن القلانسي يروي لنا سيرة المقاومة الشامية ، وهي سيرة لشعب دمشق وشعب الشام أجمع ، سيرة لمنظمات هذا الشعب وفئاته الاجتماعية وقبائله ، سيرة لعمران دمشق وخططها ، وهنا يقتضي أن ننوه أن هذه مزية تفرد بها ابن القلانسي إلى أبعد الحدود . صحيح أن الكتاب أوقفه صاحبه بالأصل على دمشق لكنه يولي مع دمشق اهتماماته بقية أجزاء الشام ، ثم بقية أجزاء الوطن العربي والعالم الاسلامي ، فمواده عن كل من الخلافتين الفاطمية والعباسية لها مكانة خاصة ، بل أكثر من هذا نجده يتقصى أخبار المغرب الأقصى ويقدم لنا رواية ذات مكانة خاصة حول المهدي بن تومرت وتأسيس دولة الموحدين . وعلى مكانة مواد ابن القلانسي حول العصر الفاطمي ، فإن الذي يفوقها أهمية هو ما رواه حول دخول الشام تحت السلطان السلجوقي ، ثم أحداث الحروب الصليبية زمن الحملتين الأولى والثانية ، وهي أحداث عاصرها وكان شاهد عيان لها ، ولأهمية هذه الروايات تمت ترجمتها إلى كل من الانكليزية والفرنسية . وابن القلانسي مؤرخ ثقة يمكن الاعتماد على رواياته ، وقد أوضح منهجه في كتابه بقوله : « قد انتهيت في شرح ما شرحته من هذا التاريخ ، ورتبته وتحفظت من الخطأ والخطل والزلل فيما علقته من أفواه الثقات ، ونقلته وأكدت الحال فيه بالاستقصاء والبحث ، إلى أن صححته إلى هذه السنة المباركة ، وهي سنة أربعين وخمسمائة ، وكنت قد منيت منذ سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وإلى هذه الغاية بما شغل الخاطر عن الاستقصاء عما يجب اثباته في هذا