ابن القلانسي

128

تاريخ دمشق

والفتك بالمقدمين من الوزراء والقواد ، وأكابر الأجناد ، وعدل عن حسن السياسة والسداد ، وزاد خوف خدمه وخواصه منه ، واستوحشوا من فعله ، وشكا المقدمون والوجوه إلى أخته ست الملك بنت العزيز باللّه ، هذه الأحوال فأنكرت ما أنكروه ، وأكبرت ما أكبروه ، واعترفت بصحة ما شكوه ، وحقيقة ما كرهوه ، ووعدتهم إحسان التدبير في كشف شره ، وإجمال النظر في أمورهم وأمره ، ولم تجد فيه حيلة يحسم بها داؤه إلا العمل على إهلاكه ، وكفّ أذاه بعدمه ، وأعملت الرأي في ذلك وأسرّته في النفس ، إلى أن وجدت الفرصة مستهلة ، فابتدرتها والغرّة بادية فاهتبلتها ، ورتبت له من اغتاله في بعض مقاصده ، وأخفى مظانّه فأتى عليه ، وأخفى أمره إلى أن ظهر في عيد النحر من سنة إحدى عشرة وأربعمائة وقال المغالون في المذهب أنه غائب في سرّه « 1 » ولا بد أن يؤوب ومستتر في غيبه ولا بدّ أن يرجع إلى منصبه ويثوب ، وكان مولده بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ، وولي الأمر وعمره عشر سنين وستة أشهر وستة أيام ، وفقد في العشر الأول من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، وعمره ست وثلاثون سنة ومدة أيامه خمس وعشرون سنة وشهران وأيام ، ونقش خاتمه « بنصر الإله العلي ينتصر الإمام أبو علي » ، وكان غليظ الطبع ، قاسي القلب ، سفّاكا للدماء ، قبيح السيرة ، مذموم السياسة ، شديد التعجرف والاقدام على القتل غير محافظ على حرمه خادم ناصح ولا صاحب مناصح . وقام في الأمر بعده ولده أبو الحسن على الظاهر لإعزاز دين اللّه ، وأخذت له البيعة ( 50 ظ ) بعد أبيه في يوم عيد النحر من سنة إحدى عشر

--> ( 1 ) هذا ما نراه في كتاب رسائل الهند ، حيث قيل بأنه ذهب في سياحة طويلة أخذته إلى الشام ومن هناك حتى الهند ، وهذا الكتاب نشر ووزع بشكل محدد تماما ، وهناك أكثر من نسخة خطية منه ، واحدة في المتحف البريطاني ، كنت رأيتها واستخرجت منها نصا عسكريا نشرته منذ سنوات .