سهيل زكار

57

تاريخ دمشق

وسار ابن الشمشقيق « 1 » إلى دمشق لمشاهدتها فلما وصل إليها ونزل بظاهرها استحسن ما رآه من سوادها ، وتقدم إلى أصحابه بكف الأذية عن أهلها ، وترك الاعتراض لشيء من عملها ، ودخل ألفتكين والشيوخ إلى البلد لتقسيط القطيعة وجمعها ، وتحصيل الملاطفات التي يخدم مثله بمثلها ، وحملوا إليه ما جاز حمله ، وحصل المال المقرر له في بدره ، وخرج ألفتكين إليه لمعاودة خدمته فوجده راكبا والطرسوسيون يتطاردون بالرماح بين يديه ، فلما شاهد ابن الشمشقيق موكبه تقدم إلى ابن الزيات بتلقيه ، وقد كانت الحال تأكدت بين ألفتكين وابن الزيات فتلقاه ووصاه بالتذلل له والزيادة في التعظيم له ، والتقرب إليه وأعلمه أن ذلك ينفق عليه ، ففعل ألفتكين ما أشار به ، وترجل له هو وأصحابه ، وابن الزيات ، عند قربهم منه ، وقبلوا الأرض مرارا ، فسر الملك بذلك وأمرهم بالركوب ، فركبوا وأسند إلى ألفتكين ، وسأله عن حاله فأجابه جوابا استرجعه حجة فيه ، وكان الملك فارسا يحب الفرسان ، فلعب ألفتكين وابن الزيات بين يديه لعبا استحسنه منه ، وشاهد من فروسية ألفتكين ما أعجبه ، فتقدم إليه بالزيادة في اللعب والتفرد به ففعل ، والتفت الملك إلى ابن الزيات فأثنى على ألفتكين ، وقال : هذا غلام نجيب وقد أعجبني

--> ( 1 ) قاد هذا الإمبراطور أول جيش بيزنطي توغل في أعماق بلاد الشام منذ الفتح الاسلامي ، وقد تحدث في رسالة بعث بها إلى أشوت الثالث ملك أرمينية عن أهداف حملته فبين أنها أهداف صليبية بحتة ، ذلك أنه أراد احتلال القدس أو حسب تعبيره أراد تحريرها من المسلمين ، لكن كما قال : « لولا وجود المسلمين المغاربة الذين يعيشون هناك ولولا اعتصامهم في القلاع الساحلية لدخلنا بيت المقدس وصلينا للرب في الأماكن المقدسة » . هذا وتحدث يحيى بن سعيد الأنطاكي عن حملة الإمبراطور البيزنطي ووصوله إلى دمشق فذكر أنه « قاطع أهلها على ستين ألف دينار يحملونها إليه في كل عام ، وكتب عليهم بذلك كتابا وأخذ خطوط الأشراف ، وأخذ جماعة منهم رهينة ، واستدعى خروج ألفتكين إليه فخرج في أربعة غلمان فأكرمه الملك ، وضرب له مضربا مفردا وأفطر عنده في تلك الليلة فخلع عليه الملك ووهب له ما أخذ به خطوط أهل دمشق من المال وأطلق أيضا الرهائن ، وحمله على فرس بسرج ولجام » . انظر تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي ط . بيروت : 1909 ص : 145 - 146 . تاريخ الإمبراطورية البيزنطية ( بالانكليزية ) تأليف أ . أ . فازلييف - كندا 1952 : 1 / 309 - 310 .