سهيل زكار
456
تاريخ دمشق
فقام رجل من كبار الفقهاء ، وقال : نقيم ما أقمنا بالمهدية ، ويجيء إليكم رجل بربري مصمودي ، يأمركم بالعبادة بالفكرة فتجيبون إلى ما أمركم به ، وتسارعون إلى قبول ما ذكره لكم ؟ وأنكر هذا الأمر إنكارا شديدا ، حتى عادوا عنه ، وأبطلوه ، واقتضت هذه الحال خروج الخارجي من المهدية ، إذ لم يتم له فيها أمر ، ولا بلغ غرضا ، وقصد بلدا في الغرب يعرف ببجاية « 1 » في أيدي بني حماد من صنهاجة ، وشرع في الإنكار على أهله شرب الخمور ، وجعل يكسر الأواني إلى أن منع من شربها ، وساعده على ذلك ابن حماد « 2 » مقدم هذا البلد وحمل إليه مالا ، فامتنع من أخذه ، وتعفف عنه لما أظهره من الزهد في الدنيا ، والتفقه والورع ، ثم خرج من هذا البلد وقصد مدينة أغمات ، فأظهر فيها الزهد وتدريس الفقه ، وصار معه من أتباعه تقدير أربعمائة رجل من المصامدة ، ثم ارتفع أمره ، وظهر شره ، واتصل خبره إلى الأمير ابن يوسف بن تاشفين « 3 » وما هو عليه وما يظهره ويطلقه من إباحة دمه ودم أصحابه ، وأهل مملكته ، فاستدعاه الأمير المذكور إلى حضرته ، وجمع له وجوه الفقهاء والمقدمين ، إلى مجلس حفل ووقع الاختيار من الجماعة على فقيه يعرف بأبي عبد الله محمد بن مالك بن وهيب الأندلسي « 4 » ، لمناظرته فناظره في هذا المحفل ، فاستظهر عليه في المناظرة ، وقهره وغلبه ، فقال الخارجي السوسي المناظر له : انظرني ، فأجابه إلى ما طلب ، ثم قال لابن يوسف بن
--> ( 1 ) في الأصل : بجامه ، وهي عبارة مصحفة صوابها ما أثبتناه ، انظر الحلل الموشية : 106 حيث جاء : « ولما وصل إلى المهدية غير بها المنكر ، فرفع أمره إلى العزيز ابن الناصر [ علي بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديس ] فهم أن يأخذه فهرب إلى بجاية ، فبلغ خبره لابن حماد صاحبها ، فاختفى وخرج منها » . ( 2 ) في الأصل : ابن حمدون ، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا وكان يحكم بجاية من آل حماد يحيى ابن العزيز ، انظر أخبار المهدي بن تومرت للبيذق صاحب المهدي ط . الرباط 1971 . ص : 13 و . أعمال الأعلام للسان الدين بن الخطيب ط . الدار البيضاء 1964 : 3 / 99 . ( 3 ) علي بن يوسف بن تاشفين . الحلل الموشية : 97 - 102 . ( 4 ) مالك بن وهيب الإشبيلي ، كان فقيها فيلسوفا ، ذكره صاحب المعجب : 184 - 186 . ط . القاهرة 1949 . أخبار المهدي : 27 . الحلل الموشية : 100 .