سهيل زكار
138
تاريخ دمشق
وشاع هذا الخبر بمصر ، فسر به المسلمون ، ودعوا للحاكم دعاء كبيرا على ما فعله ورفع أصحاب الأخبار إليه ما الناس من هذه الحال عليه ، ففرح بذلك وتقدم بهدم ما يكون في الأعمال من البيع والكنائس ، ثم حدث من الأمور والانكار لمثل هذه الأعمال والاشفاق على الجوامع والمساجد في سائر الجهات والأعمال من هدمها ، والقصد بمثل العمل لها ، فوقف الأمر في هذا العزم « 1 » .
--> - فيضجون ضجة عظيمة ويوقدون الفوانيس ، ويحملون هذه النار إلى عكا وصور وجميع بلد الفرنج حتى رومية والجزائر ، وقسطنطينية وغيرها تعظيما لها . وحدثني جماعة من المجاورين بالقدس قالوا : لما فتح صلاح الدين رحمه الله القدس ، وجاء يوم الفصح جاء بنفسه فدخل القبة ، وقال : أريد أشاهد نزول النور ، فقال له البطرك تريد أن تضيع عليك وعلينا أموالا عظيمة لقعودك عندنا ، فإن أردت المال فقم ودعنا ، فقام لما بلغ باب القبة حتى صاحوا : نزل النور ، فقال بعض الحاضرين : لقد زعم القسيس أن الهه * ينزل نورا بكرة اليوم أو غد فإن كان نورا فهو نور ورحمة * وإن كان نارا أحرقت كل معبدي يقربها القسيس من شعر ذقنه * فإن لم تحرقها وإلا اقطعوا يدي وحدثني جماعة من أصحاب صلاح الدين رحمه الله أنه عزم لما أخذ الفرنج عكا على أن يخرب قمامة ويعفي آثارها ، وقال : يحضر البطرك والأقساء والنصارى ويحفر مكان القبر حتى يطلع الماء ، ويرمي التراب في البحر ، ويقول هذا تراب إلهكم لتنقطع أطماعهم عن زيارته ويستريح منهم ، فقال له أعيان دولته : إن إطماعهم لا تنقطع بهذا ، وليس مرادهم مكان القبر ، إنما هم يعتقدون في نفس القدس ، وقمامة عندهم أفضل من غيرها ، وربما أخربوا الجامع الذي بالقسطنطينية والمساجد التي في بلادهم ، وقتلوا من عندهم من المسلمين ، ثم إنهم إنما يصانعونك على القدس لأجل قمامة ، فإذا فعلت هذا زال ما يصالحونك لأجله ، ثم تبطل عليك أموال عظيمة ، فتنضر وهم لا ينضرون فسكت عن خرابها . ( 1 ) أثارت سياسة الحاكم الدينية هذه جدلا كبيرا ويلاحظ مما قاله ابن القلانسي أنها وإن مورست أولا ضد غير المسلمين ، إلا أن ذلك كان مقدمة فقط ، حيث خشي المسلمون بعدها على أنفسهم ومساجدهم ، ويمكن أن نرى أعمال الحاكم من زاوية التمهيد لإعلان قيامة عظمى حسب مضمون المذهب الإسماعيلي ، والقيامة العظمى هي إلغاء لجميع الشرائع والأديان واحلال دين القيامة محلها ، وملاحظ أن الحاكم لاقى صعوبات جمة في سبيل عمله هذا وكان كل ما تمخض عن مجهوداته تأسيس عقيدة التوحيد أو الديانة الدرزية . انظر مادة الحاكم في كتابي مائة أوائل من تراثنا ، وكتابي أخبار القرامطة : 40 - 42 من مدخل الكتاب .