علي بن زيد البيهقي
509
تاريخ بيهق
وأداء الأوامر واجتناب النواهي ، لم يظهر أثر نور السعادة ، وقد اختلف أهل الملل والنحل على كل الأشياء ، إلّا أنهم لم يختلفوا في مسألة أن معصية الحق تعالى ضارة ، والإصرار على المعصية والمواظبة والدوام عليها هو البلاء المتراكم ، عندما يأتي ملك الموت والحربة في يده [ 288 ] فيظهر من القلق والجزع ما لا يثمر إلّا الحسرة وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ « 1 » . ومن كانت معصيته نقدا وتوبته نسيئة ، كان كمن شرب السم القاتل ، وأخّر تناول التّرياق الشافي وقصّر في طلبه ، وقد ذكروا في الحكايات أن أحد الملوك كان ذا غفلة ، فمرّ يوما مع وزيره - وكان عالما عاقلا - على رجل كريه المنظر ، ثيابه قد جمّعها من خرق المزبلة ، شعره طويل وأظافره غير مقلمة ، قد جلس على رماد في أتون حمام ، وقد جلست قبالته امرأة عجوز تطبخ الدخن على وقود من الأقذار ، وكان ذلك الرجل يردد بيتا من الشعر غير موزون يتغنى فيه بجمال تلك المرأة وسحرها قائلا : من الذي يعطى أفضل من هذا ؟ هذا وقت غاب عنه العذول والرقيب . فقال الملك : أية حياة هذه ، وأية دناءة في الهمّة . قال الوزير : أيّها الملك ، إن قياس نعمة الدنيا إلى نعمة الآخرة ، هو نفس هذا ، فجلوس وقيام وطعام ولباس هذا الرجل وهذه المرأة هو كدولتك ونعمتك ، فكما تنظر أنت إلى هذا بعين الحقارة ، فإن كل من فكر في لذات العالم الآخر ، نظر إلى لذات هذه الدنيا بالاستخفاف والتحقير والتصغير ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه : « لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ، ما سقى منها كافرا شربة ماء » « 2 » .
--> ( 1 ) سورة مريم ، الآية 39 . ( 2 ) سنن ابن ماجة ، 2 / 1377 ؛ تاريخ مدينة السلام ، 5 / 148 ، وعقّب الخطيب البغداديّ على الحديث بقوله : « هذا حديث غريب جدا من حديث مالك » ؛ تاريخ مدينة دمشق ، 19 / 63 ؛ المصنف لابن أبي شيبة ، 8 / 128 ؛ مسند الشهاب ، 2 / 316 ؛ المعجم الكبير للطبراني ، 6 / 156 ؛ مجمع البيان ، 7 / 128 ؛ سبل الهدى والرشاد ، 7 / 78 ؛ الدر المنثور ، 3 / 239 ، ومصادر أخر .